في مشهد يومي بات مألوفًا للبنانيين، تتحوّل الطرقات إلى ساحات اختناق مروري، حيث تمتد طوابير السيارات لساعات، مستنزفةً الوقت والأعصاب معًا. إلا أن ما كان يُعدّ سابقًا أزمة مزمنة، بات اليوم أكثر تعقيدًا وخطورة في ظل موجات النزوح الداخلي الناتجة عن الحرب، والتي أعادت رسم الخريطة السكانية بشكل مفاجئ وغير مدروس.
فمع انتقال مئات آلاف
النازحين من المناطق الحدودية أو المستهدفة إلى مناطق أكثر أمانًا، تضاعف الضغط على طرقات لم تكن أصلًا مهيّأة لاستيعاب هذا الحجم من الحركة اليومية. مناطق كانت تُصنّف متوسطة الكثافة تحوّلت بين ليلة وضحاها إلى بؤر مكتظة، ما انعكس بشكل مباشر على حركة السير، فارتفعت نسب الازدحام إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصًا في مداخل المدن الكبرى وعلى المحاور الرئيسية.
هذا الواقع يكشف خللًا مركّبًا: من جهة، غياب شبكة نقل عام فعّالة قادرة على امتصاص جزء من هذا الضغط، ومن جهة أخرى، انعدام أي خطة طوارئ مرورية تواكب حالات النزوح الجماعي. فالدولة، التي كان يُفترض أن تضع سيناريوهات مسبقة لإدارة حركة السكان في حالات الأزمات، تبدو اليوم عاجزة عن تنظيم أبسط مقومات التنقل.
الأخطر أن النزوح لم يضغط فقط على الطرقات، بل كشف هشاشة التخطيط العمراني برمّته. أحياء سكنية تستقبل أعدادًا إضافية من السكان دون أي توسعة في بنيتها التحتية، ومشاريع عمرانية عشوائية تتكاثر من دون رقابة فعلية، في ظل غياب واضح لدور
المديرية العامة للتنظيم المدني. فكيف يمكن استيعاب هذا التمدد السكاني الطارئ من دون رؤية تخطيطية واضحة؟ وأين هي الخطط التي تربط بين التوسع السكاني وقدرة الطرقات على التحمل؟
في المقابل، تتجه الأنظار إلى وزارة الأشغال العامة والنقل، التي يُفترض أن تكون في صلب إدارة هذه الأزمة، ليس فقط عبر إجراءات ظرفية كتنظيم السير أو فتح مسارب مؤقتة، بل من خلال وضع خطة طوارئ متكاملة تأخذ بعين الاعتبار واقع النزوح وتداعياته المستمرة.
إن أزمة السير في
لبنان لم تعد مسألة تنظيم تقني فحسب، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لأزمة إدارة النزوح وغياب التخطيط الاستباقي. ومع استمرار الحرب واحتمال تفاقم حركة النزوح، يزداد خطر الوصول إلى شلل مروري كامل، قد يوازي في خطورته الشلل الاقتصادي والاجتماعي.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لوضع استراتيجية وطنية تربط بين إدارة النزوح، والتخطيط العمراني، وسياسات النقل، لأن الطرقات لم تعد مجرد مساحات للعبور، بل مرآة لفشل أو نجاح الدولة في إدارة أزماتها.