آخر الأخبار

عين إسرائيل على مياه الجنوب...هذا ما سيخسره لبنان

شارك
في "حرب الاسناد الأولى" كنا نسمع تبريرات لم تقنع أحدًا، لا في الداخل ولا في الخارج، بأن من بين أهم الأسباب، التي دفعت بـ " حزب الله " إلى اتخاذ هكذا قرار غصبًا عن إرادة الدولة وأغلبية اللبنانيين، سبب رئيسي، وهو "إشغال العدو" عمّا يتعرض له فلسطينيو قطاع غزة من مجازر، وأنه نتيجة هذه الحرب شهد الشمال الإسرائيلي إفراغًا شبه تام للمستوطنات، حيث انتقل المستوطنون إلى الفنادق البعيدة نسبيًا عن القصف.
ولكن هذه المبررات، على أهميتها، لم تمنع الجيش الإسرائيلي من تدمير منازل قرى الحافة الحدودية، ولم يرّف له جفن عندما هجرّ أهل الجنوب، الذين لم يجدوا لهم مأوى سوى عند اخوتهم في المواطنة في دير الأحمر والقاع بقاعًا وفي الجبل المسيحي والدرزي وفي المدن ذات الأغلبية السنّية.
وهذه المبررات لم تحل دون وضع تل أبيب يدها على خمس تلال جنوبية، ولم تردع إسرائيل في مواصلة استهدافاتها خارقة بذلك ما ورد في بنود اتفاق وقف إطلاق النار. إلاّ أن "حرب الاسناد الثانية"، جاءت كردّ مباشر على اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية السابق السيد علي خامنئي، والتي، ستؤدّي على الأرجح، إلى توسيع رقعة الاحتلال، إذ تشير التقارير العسكرية، التي ترد إلى المسؤولين اللبنانيين، إلى أن إسرائيل لن تكتفي بالمنطقة العازلة والمدّمرة والخالية من السكان، والتي تتراوح عمقًا بين ثمانية وعشرة كيلومترات من الغرب إلى الشرق، بل تسعى إلى الوصول إلى النهر الأولي، وذلك لهدفين باتا واضحين وجلّين أمام أعين القاصي والداني. وأول هذه الأهداف كسر شوكة القدرة الردعية لـ "حزب الله". أما ثاني هذه الأهداف، وهو الأهم والأخطر بالنسبة إلى المراقبين، فهو وضع اليد على ثمانين في المئة من مصادر المياه العذبة. وإذا نجحت إسرائيل في مخططها فهي تريد ان تكون حدودها مع لبنان نهر الاولي شمال صيدا في خط يسير نحو البقاع ويشمل كافة المدن بما فيها جزين ومشغرة وصيدا وصغبين والعيشية والنبطية وصور ومرجعيون الى ما هنالك من قرى وبلدات جنوبية وبقاعية. وبذلك تكون تل أبيب قد ضمنت تأمين المياه العذبة من نهر الاولي ونهر الزهراني ونهر الحاصباني ونهر الوزاني ونهر الليطاني وبحيرة القرعون ومساقط الثلوج في راشيا وحاصبيا، وهي مصادر كافية لمدّ إسرائيل بما تحتاج إليه من مصادر مياه إضافية.
وإذا صحّت هذه المعطيات، فإن ما يجري في الجنوب لم يعد مجرّد حرب حدودية أو محاولة لإنشاء منطقة عازلة أو القضاء على بنية عسكرية هنا أو موقع قتالي هناك، بل أصبح الأمر يتعلّق بمشروع استراتيجي طويل الأمد، عنوانه المياه قبل الأرض، والموارد قبل الحدود، والتحكم بمصادر الحياة قبل التحكم بالجغرافيا.
فالحروب في المنطقة لم تعد حروب حدود فقط، بل أصبحت حروب موارد، وفي مقدّمها المياه، التي يُتوقع أن تكون سببًا رئيسيًا لحروب المستقبل في الشرق الأوسط . ومن يسيطر على المياه يسيطر على الزراعة والكهرباء والسكان والاقتصاد، أي يسيطر على مستقبل المنطقة بأكملها.
وإذا كانت إسرائيل قد نجحت في مراحل سابقة في السيطرة على مصادر مياه في الجولان الفلسطيني المحتل، وفي استثمار مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا، فإنها اليوم، وفق ما يراه عدد من الخبراء، تحاول أن تكمل مشروعها المائي عبر وضع يدها على القسم الأكبر من الموارد المائية في جنوب لبنان والبقاع الغربي ، مستفيدة من الحرب ومن الفوضى ومن ضعف الدولة اللبنانية ومن الانقسام الداخلي.
والأخطر من كل ذلك أن اللبنانيين المنقسمين بين مؤيد لهذا المحور ومعارض لذاك المحور، قد لا ينتبهون إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحرب والدمار والاحتلال المؤقت، بل في تغيير الواقع الجغرافي والاقتصادي والاستراتيجي للبلد، بحيث يصبح لبنان بعد سنوات قليلة بلدًا يعاني من شحّ كبير في المياه، بعدما كان يُعرف تاريخيًا بأنه خزان المياه في الشرق.
فخسارة لبنان لأرض يمكن تعويضها مع الزمن، وخسارة بيوت يمكن إعادة بنائها، وخسارة بنى تحتية يمكن إعادة إعمارها، أما خسارة مصادر المياه فهي خسارة طويلة الأمد، وقد تكون أخطر من كل الخسائر الأخرى، لأن المياه هي الحياة، ومن يسيطر على المياه يسيطر على الحياة نفسها.
ويخطئ من يعتقد أن الحرب الدائرة اليوم هي حرب حدود أو حرب سلاح أو حرب نفوذ، لأن ما قد يكتشفه اللبنانيون بعد سنوات هو أن أخطر ما في هذه الحرب
لم يكن تدمير القرى ولا الجسور ولا البيوت، بل كان تغيير الخارطة المائية للبنان.
فالحروب تنتهي بتوقيع اتفاق، أما الحروب على المياه فنتائجها تبقى لعشرات السنين. وهذا المخطّط قد يشمل في مرحلة لاحقة وضع اليد على مصادر الطاقة في المياه اللبنانية الخالصة بعد أن تسقط الحرب اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. ولهذا الحديث بحث آخر كنتيجة حتمية للحرب الإسرائيلية المتعدّدة الأهداف.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا