احتفل رئيس أساقفة أبرشية
طرابلس
المارونية المطران يوسف سويف بقداس أحد الشعانين في كنيسة مار مارون في طرابلس، عاونه فيه النائب العام للأبرشية الخورأسقف أنطوان مخائيل، خادم الرعية الخوراسقف
نبيه معوض والنائب الاسقفي الخاص المونسنيور جوزاف غبش، وخدمت القداس جوقة كنيسة مار مارون، في حضور فاعليات وحشد من المؤمنين من مختلف رعايا أبرشية طرابلس المارونية، تخلله زياح الشعانين، بحيث طاف المؤمنون في الشوارع المحيطة بالكنيسة على وقع قرع الاجراس ومرتلين "هوشعنا في الاعالي مبارك الاتي باسم الاب"، حاملين سعف النخيل والشموع والاطفال وسط اجراءات امنية اتخذتها عناصر
الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي.
بعد الإنجيل، ألقى سويف عظة شدد فيها على معاني العيد، معربًا عن أمله في توقّف الحرب في
لبنان ، ومؤكدًا أن "الكنيسة تدعو إلى السلام الشامل وحصر السلاح بيد
الدولة اللبنانية . كما لفت إلى أن الحروب المتكرّرة تستنزف طاقات الشباب وتدفعهم نحو الهجرة، فضلًا عمّا تخلّفه من دمار وخراب ونزوح، وقال: "نصلي حتى نكون جميعنا عائلة لبنانية واحدة تواجه اليوم خطر الانقسام وتنشد السلام وترسيخ المحبة ونبذ الفتنة والكراهية".
وأشار إلى أن "لبنان، الذي يحمل رسالة العيش المشترك، لا يمكن أن يستمر في دوّامة العنف، بل هو مدعو إلى النهوض من جديد بروح الوحدة والتضامن"، ودعا إلى "تغليب لغة الحوار على السلاح، والعمل الجاد لإرساء الاستقرار، بما يفتح باب الرجاء أمام الأجيال
القادمة ويعيد للوطن دوره كأرض للسلام والحياة".
وقال: "نحتفل اليوم بأحد الشعانين، حيث الكنيسة تدخل مع المسيح إلى أورشليم، حاملة أغصان الزيتون والنخيل، لتعلن أن ملكها هو المسيح وحده، ملك الملوك ورب الأرباب. في هذا الدخول الملوكي، يتجلّى سرّ الفصح، إذ نكتشف أن المسيح الذي استقبلوه كملك أرضي هو في الحقيقة الملك القائم من الموت، المنتصر على العبودية والظلم، المحرّر للإنسان من كل قيد يهين كرامته. نصرخ في لبنان والمنطقة، حيث الحروب تولّد المزيد من الحروب، والخراب يجرّ الخراب، والموت يخيّم على النفوس قبل الأجساد، سائلين مع النبي: «إلى متى يا رب أنادي وأنت لا تسمع؟» (حبقوق 2:1). في هذا الواقع المرير، حيث زيتون المعيّدين يحترق بنار الحرب، نرفع صرخة: إلى متى يبقى الحب بعيداً عن قلوبنا؟ والمسيح يجيبنا دوماً: «كما أحبني الآب كذلك أحببتكم» (يوحنا 9:15). فلنفتح قلوبنا للحب، ولنفرش طريق الرب بأغصان الرجاء والإيمان، لأنه ينحني أمام آلامنا ويقول لكل واحد: "قم، واحمل حياتك المتجددة وامشِ". إذا كان المسيح ملكنا، فلا خيار لنا سوى الحوار والسلام بدل العنف والحرب. «طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون» (متى 9:5). من يلمسه المسيح لا يمكنه إلا أن ينشر السلام، ويبتعد عن العنف الذي يناقض مشيئة الله. الكنيسة اليوم، وسط آلام
النازحين والمجروحين، ترفع صراخ الهوشعنا ليكون صادقاً نقياً، مملوءاً بالرجاء للحياة، صراخاً يرفض العنف والظلم والانتقام، ويدعو إلى العدالة وصون الكرامة، إلى بناء السلام ونشر ثقافة الغفران، إلى الوحدة بدل التفرقة".
واردف: "يرفع ملوك الأرض وسلاطينها شعارات القوة والمصالح الاقتصادية، ويغطّون أفكارهم بمعتقدات زائفة. «ملوك الأرض يقومون، والرؤساء يتآمرون معاً على الرب وعلى مسيحه» (مزمور 2:2). أدواتهم هي البغض والحقد والكراهية والأنانية، أما نحن فمدعوون إلى رفض هذا الباطل، والتمسّك بكرامة الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله. كل إنسان سكب الرب في قلبه من روحه وحياته، ليكون شاهداً لمشيئته، ناشراً فكره الذي يريد السلام بدل الحرب، والحب بدل الكره، والعدالة والمساواة بدل الظلم. ونصلي من أجلهم، لكي يتشبّهوا بالمسيح، وتكون خدمتهم حقاً في سبيل الناس والعالم، على مثال المسيح الذي جاء «لا ليُخدَم بل ليَخدُم» (متى 28:20)".
أضاف: "نرفع اليوم الهوشعنا، تهليل الأطفال والناس، اعترافاً بأن المسيح هو ملك الملوك. «مبارك الآتي باسم الرب» (متى 21:9). الأطفال يصرخون بلا شروط، على مثال المسيح الذي أحب حتى
الصليب . الكنيسة تحتفل بهذا الحدث الفصحي لتجدد إيمانها بالمسيح القائم من الموت، الذي انتصر على العبودية والظلم، على كل ما يستعبد الإنسان ويهين كرامته. فلنعد الى حالة الطفولة البريئة، ونعترف بفرح أن المسيح هو الملك على قلوبنا، هو وحده الذي يملك، لا سلطان آخر. ولندعو إلى كسر سلاسل القوة والعنف التي تدمر الإنسان وتعمل ضد إرادة الله ومشروعه لخلاص البشر وعيشهم بالحب والراحة والفرح. يدخل يسوع أورشليم لا على حصان حرب بل على جحش ابن أتان، ليعلن أن ملكوته ليس من هذا العالم (يوحنا 36:18). نستقبله حاملين أغصان الزيتون، علامة للسلام الذي يبدأ في القلوب ويترسّخ في النفوس. «سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا» (يوحنا 28:14). هو الملك الذي يثبّتنا في الإيمان، ويزرع فينا سلاماً لا يُنزع. كما يقول مار أفرام السرياني: "المسيح هو سلامنا، به زال الحاجز، وصار القريب بعيداً أخاً لنا".
وختم:" نصلي حتى نكون جميعنا عائلة لبنانية واحدة تواجه اليوم خطر الانقسام، ومع صراخ الأطفال المتألمين والأمهات الحزينات، نصلي أن يحوّل الرب مشروع الموت إلى حياة، وأن يكون المسيح الملك والمالك على القلوب، فنكون شهوداً لحبه، وعلامة حيّة لسلامه، وهو المبارك الذي يأتي كل يوم بأسم الرب له المجد الى الأبد".