بمعزل عن "الخواتيم" التي يمكن أن تصل إليها أزمة سحب اعتماد السفير ال إيران ي ومنحه مهلة لمغادرة البلاد، والتي تُرجمت في جلسة مجلس الوزراء التي قاطعها وزراء " الثنائي الشيعي " من دون أن ينجحوا في تعطيلها أو شلّها، فإن الواضح أنّ هذه الأزمة أبعد ما تكون عن اشتباك دبلوماسي محدود بين دولتين. فهي تطرح، في العمق، سؤالًا أوسع حول موقع لبنان نفسه في المعادلات التي تُرسَم للمنطقة بأسرها.
بهذا المعنى، لا تكمن أهمية ما جرى فقط في ما يصفه البعض بـ"الجرأة النسبية" للقرار اللبناني، ولو رأى فيه آخرون مظهرًا من مظاهر الاستنسابية، بل أيضًا في البيئة التي سمحت له بأن يصدر بهذا السقف. فلبنان لم يتحرك هذه المرة في فراغ داخلي محض، بل ضمن مناخ إقليمي ودولي يوحي بأن هناك هامشًا أوسع لإعادة شدّ العلاقة مع إيران، أو على الأقل لكسر بعض القواعد التي حكمتها طوال السنوات الماضية.
ومن هنا، تبدو قراءة الحدث من زاوية "العلاقة مع طهران " وحدها ناقصة، لأن ما يلوح في الخلفية هو أيضًا إعادة اختبار لموقع لبنان بين المحاور، وحدود قدرته على الإفادة من تقاطع عربي - غربي مؤاتٍ، حيث يتلاقى الموقف اللبناني مع مزاج عربي، خليجي تحديدًا، لم يعد يقبل بأنصاف الحلول في ملف السيادة، ومع دعم فرنسي ملموس يسعى إلى تثبيت ركائز الاستقرار المؤسساتي .
صحيح أنّ المؤشرات الراهنة توحي بأن القرار الرسمي اللبناني بدأ يخرج من دائرة التردد، مستفيدًا من "ضوء أخضر" خارجي ومن توازنات داخلية جديدة تبدو أقرب إلى انقلاب على ما كان سائدًا قبل حرب " طوفان الأقصى "، لكن هل يكفي ذلك للحديث عن حسم لبنان الرسمي انتقاله إلى موقع سياسي جديد؟ وهل يملك أساسًا ما يكفي من الغطاء والقدرة الداخلية ليحوّل هذه اللحظة التي فرضتها ظروف الحرب إلى بداية نهج سياسي مختلف؟
مناخ عربي مساعد
عندما صدر قرار سحب اعتماد السفير الإيراني واعتباره شخصًا "غير مرغوب فيه"، فوجئ كثيرون بالخطوة التي تشكّل سابقة بين دولتين لا عداوة مباشرة بينهما، خصوصًا أنّ مثل هذا القرار لا يمكن أن يتحمّله وزير الخارجية يوسف رجّي ، المحسوب على " القوات اللبنانية "، بمفرده، كما حصل في محطات سابقة، فيما تتنصّل الحكومة منه أو يُعزى إلى "اجتهاد ذاتي" أو "رأي شخصي" لوزير يتولى حقيبة بحجم الخارجية.
من هنا، يصبح من الواضح أن ما جرى لا يمكن فصله عن مناخ عربي تبدّل تدريجيًا في مقاربة الدور الإيراني في المنطقة عمومًا، وفي لبنان خصوصًا. فالقيمة السياسية لما جرى لا تكمن في مضمون الرسائل الدبلوماسية فحسب، بل في توقيته، وفي طبيعة المظلة التي أحاطت به، إذ إن لبنان اليوم لا يخوض معركته السيادية وحيدًا، بل في ظل قناعة تتكرّس بأن " الغطاء العربي " عاد ليشكّل شبكة أمان حقيقية للموقف الرسمي.
بهذا المعنى، لم يكن القرار اللبناني بعيدًا عن تقاطع مع مزاج خليجي أشدّ تحفظًا تجاه طهران، خصوصًا بعدما اختارت إيران الرد على العدوان الأميركي - الإسرائيلي عليها بضرب ما تصفه بالمصالح الأميركية في دول الخليج. وهكذا بدت بيروت وكأنها تتحرك على خط يلاقي هذا المناخ أكثر مما يناقضه، وهذا بحد ذاته تطور ذو دلالة، لأن لبنان اعتاد طويلًا أن يدير علاقته بإيران بمنطق المساكنة أو التكيّف، لا بمنطق رفع السقف، ولو ضمن حدود مضبوطة.
دعم فرنسي متجدد
بموازاة هذا الغطاء العربي، يبرز الدور الفرنسي بوصفه عنصر إسناد مهمًا، ولو من دون ضجيج. ف باريس ، التي لم تقطع خيوط التواصل مع مختلف الأطراف في السنوات الماضية، تسعى إلى تكريس نفوذها في لبنان، ولذلك كثفت في الأسابيع الأخيرة حضورها الدبلوماسي على الخط اللبناني، وأعادت التأكيد على جهودها لوقف النار ودعم الاستقرار. كما تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى دعم خيار لبنان الرسمي بتشديد اللهجة تجاه طهران، أو على الأقل إلى عدم معارضته.
ولا يتوقف هذا الدعم الفرنسي عند حدود التنسيق الدبلوماسي، بل يتعداه إلى محاولة إيجاد صيغة دولية تضمن عدم عودة لبنان إلى مربع التجاذبات التي أهلكت مؤسساته. لا يعني ذلك أن باريس تقود التموضع اللبناني أو تكتبه، لكنه يعني أن لبنان لا يتخذ هذه الخطوات في بيئة دولية معادية، بل في مناخ غربي يسمح له برفع السقف، بل ربما يشجّعه على ذلك بعد تحضير الأرضية السياسية اللازمة.
ومن هنا، يمكن القول إن قيمة القرار اللبناني لا تُفهم فقط من نصّه أو من إجراءاته، بل من الغطاء الذي أحاط به. فالدولة قد تجرؤ أحيانًا على خطوة رمزية، لكنها لا تذهب عادة إلى هذا النوع من القرارات إذا شعرت بأنها مكشوفة بالكامل. أما حين يكون هناك تقاطع عربي - فرنسي، أو على الأقل مناخ غير معادٍ، فإن هامش الحركة يتوسع. وهذا بالتحديد ما يجعل الحديث عن "إعادة تموضع" مشروعًا، ولو بحذر.
تموضع جديد أم حماية ظرفية؟
هل دخل لبنان فعليًا مرحلة التموضع؟
قد يكون هذا هو السؤال المحوري الذي قادت إليه خطوة سحب اعتماد السفير الإيراني، وهي خطوة لم يكن أحد ليتوقع حدوثها قبل أسابيع فقط. لكن الأكيد أنه من المبكر حسم الإجابة على مثل هذا السؤال، في وقت تمرّ المنطقة بمنعطف يصح وصفه بالتاريخي، بعدما امتدت النيران إلى كامل جغرافيا الشرق الأوسط ، وسط ترقّب لما يمكن أن تفضي إليه المواجهة من سيناريوهات تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات.
وإذا كان لبنان تاريخيًا يتأرجح بين المحاور، وغالبًا ما كان يدفع ثمن هذا التأرجح من استقراره الداخلي، فإن هناك من يرى أنّ ما يجري هو محاولة جادة لرسم "خطوط حمراء" جديدة. فالأمر ليس مجرد استفزاز لطهران، بل إعلان عن رغبة الدولة في استعادة هويتها العربية والدولية. لكن هذا التموضع، إذا أريد له أن يكون حقيقيًا، يتطلب استمرارية في النهج وتراكمًا في المواقف، بحيث تصبح السيادة ممارسة يومية لا مجرد ردود فعل على أحداث طارئة.
بهذا المعنى، فإن ما جرى حتى الآن قد يكون أكبر من مجرد حادثة، لكنه لم يصبح بعد مسارًا راسخًا. بل يمكن النظر إليه بوصفه استفادة لبنانية ذكية من لحظة مؤاتية، لا تحولًا استراتيجيًا مكتملًا. أي أن الدولة استثمرت تقاطعًا خارجيًا مساعدًا، ورفعت سقفها في لحظة شعرت فيها أن الضغط على إيران وعلى حلفائها بلغ مستوى يسمح بخطوة كهذه. لكن المظلة الخارجية الحالية قد تكون مرتبطة بظروف الحرب أو بتوازنات إقليمية متغيرة، ما يطرح تساؤلًا حول مدى صمود هذا التوجه إذا تبدلت هذه الظروف.
هنا تكمن عقدة الداخل اللبناني أيضًا. فلبنان قد يملك اليوم هامشًا أوسع بفضل الغطاء الخارجي، لكنه لا يزال أسير توازنات داخلية تجعل أي انتقال جذري مكلفًا ومعقدًا. وفي هذا السياق، لا يمكن القفز فوق اعتراض "الثنائي الشيعي" ومقاطعته جلسة الحكومة، إذ إن ذلك تذكير بأن أي خطوة من هذا النوع ستصطدم حتمًا ببنية سياسية داخلية لا تسمح بسهولة بترجمة القرار الواحد إلى تغيير شامل في الاتجاه.
ما الذي يمنع التحول إلى مسار ثابت؟
قد يكون دقيقًا القول إن لبنان يقف اليوم على عتبة إعادة تموضع، لا في قلبها بعد. فالميل موجود، لكن المسار لم يترسخ، وهو قد يصطدم بالكثير من العوائق، أو حتى "الألغام"، وهي ليست محصورة باعتراض "الثنائي"، بل بطبيعة لبنان نفسه بوصفه بلدًا يندر أن يحسم موقعه الإقليمي بخطوة واحدة. ف السياسة اللبنانية اعتادت تاريخيًا إدارة التناقضات أكثر مما اعتادت حسمها، واعتادت البحث عن مناطق وسطى أكثر مما اعتادت الذهاب إلى خيارات صافية.
ومن هنا، فإن أي إعادة تموضع تحتاج إلى أكثر من لحظة مؤاتية، فهي تحتاج إلى قرار داخلي متماسك، وإلى قدرة على احتمال الارتدادات، وإلى اقتناع بأن المظلة الخارجية ليست مؤقتة أو قابلة للانكفاء السريع. فهل يمكن القول إن كل هذه المقومات متوافرة؟ وهل تملك الدولة اللبنانية، بمؤسساتها المنهكة اقتصاديًا، النفس الطويل لمواجهة تداعيات هذا التموضع الجديد؟
باختصار، إن ما يمنع التحول إلى مسار ثابت هو غياب الإجماع الوطني حول دور لبنان الجديد. فالبلد بدا مستفيدًا من تقاطع عربي - فرنسي أعطاه هامشًا لرفع سقفه السياسي، لكنه ما زال محكومًا بداخل منقسم، وباختبار صعب بين الإفادة من اللحظة وبين القدرة على تحويلها إلى نهج.
ولهذا، يبدو أن الاختبار الفعلي لا يكمن في ما إذا كان لبنان استطاع رفع السقف في هذه الواقعة، بل في ما إذا كان سيتمكن من البناء عليها. فإذا بقيت الخطوة محصورة بملف السفير الإيراني، فإنها ستسجَّل كحدث سياسي لافت لا أكثر. أما إذا تبيّن لاحقًا أنها جزء من سلسلة مواقف تعيد شدّ العلاقة مع طهران، وتعيد في الوقت نفسه وصل لبنان أكثر بالمظلة العربية والغربية، عندها فقط يمكن الحديث عن تموضع جديد.
المصدر:
النشرة