فجأة، ومن دون سابق انذار، خرج الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى الاعلام، بعد اقل من ساعات على اطلاقه تصريحات "الويل والثبور وعظائم الامور" بالنسبة الى ايران ، ليقول علناً ان المحادثات التي تجريها واشنطن وطهران منذ يومين (من تاريخ صدور التصريح)، جيدة جداً ويمكن البناء عليها، وانتقلت فترة الاسابيع الاربعة او الستة التي كان حددها مبدئياً للحرب على ايران، الى خمسة ايام للتوصل الى اتفاق. ولكن السؤال الذي تزامن مع تصريحات ترامب هذه، كان بشكل فوري: هل يمكن تصديقه بعد التجارب السابقة معه؟
في الواقع، لا يمكن لاحد ان يعلم الغيب، ولكن بناء على التحليلات والقراءات والمواقف والوقائع، يمكن ترجيح فرضية تصديق هذا الكلام لاسباب عدة اهمها:
1-الوضع اليوم بعد نحو شهر من الحرب ، ليس على ما كان عليه عند اندلاعها. بات واقعاً ان ترامب خاض الحرب بناء على معطيات اسرائيل ية وبطلب اسرائيلي، ومن شبه المؤكد انه تم التلاعب به من قبل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي استغلّ نشوة انتصار الرئيس الاميركي في فنزويلا ، والاستناد الى التفوق الاستخباراتي الاسرائيلي الذي اثبت جدواه في لبنان من جهة وفي حرب الـ12 يوماً مع ايران من جهة ثانية، لاقناع ساكن البيت الابيض بأن الحرب لن تطول وانه مع استهداف رأس الهرم في السلطة الايرانية والمراكز الاولى في هذا الهرم، سيكون الانهيار سريعاً خصوصاً مع تحرك المعارضة الايرانية التي تتحيّن الفرص للانقلاب. ولكن ترامب، بعد نحو شهر على العمليات العسكرية، رأى ان هذا الامر لم يثمر وان ما قيل في هذا الاطار كان مجرد توقعات لا تستند الى وقائع عملية. ناهيك عن ايهامه بأن التقديرات كلها تشير الى ان ايران تحاول امتلاك سلاح نووي، وتنوي مهاجمة اميركا والدول الحليفة لها في اوروبا و الخليج .
2-راهن ترامب على تعاضد اوروبا معه في الحرب، ولو بشكل رمزي، ما يخفف الضغط عنه امام الاميركيين والعالم، ولا يبدو انه تفرّد بقرار ليعاني من نتائجه وحده، مقتنعاً بأن دخول الاوروبيين على الخط سيكون بسبب تهديد مصالحهم عبر مضيق هرمز او الشح في الحصول على النفط، ولكن العكس هو ما حصل ووجد نفسه وحيدا في الميدان، بعد ان تكاتفت اوروبا رافضة الحرب والمشاركة فيها.
3-لم يتوقع الرئيس الاميركي ان يصمد الايرانيون طوال هذه الفترة، وان يؤلموا دول الخليج المحيطة بهم واسرائيل بهذا القدر، وان تفشل انظمة الدفاع الجوي الاحدث والاقوى (اميركياً واسرائيلياً) في التعامل مع الصواريخ والمسيّرات الايرانية التي الحقت اذى مهماً، كما ان تهديد ايران مصافي النفط ومعامل الطاقة في المنطقة كلها ليس بالامر السهل ولا يبدو مستحيلاً، والتعاطي مع نتائجه سيكون بالغ الصعوية.
4-الخسائر المادّية الهائلة التي تكبدتها اميركا، والتي لا يمكن التعويل على الخليجيين لاعادة تعويضها، نظرا الى انشغال دول الخليج بمصيبتهم والبحث عن مصادر لتعويض خسائرهم الكبيرة، اوجع ترامب الذي يولي هذه النقطة اهمية خاصة، وساهم في اعادته الى ارض الواقع، وكان لا بد من فتح نافذة المفاوضات علّها تؤدي الى فتح الباب التفاوضي على مصراعيه.
5-النقمة الداخلية في الولايات المتحدة على الادارة بسبب الحرب، والتي شملت ايضاً مقرّبين من الرئيس الاميركي، اصابت مخيّم الجمهوريين بتوتر غير مسبوق، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية التي يتم الاستناد اليها بشكل كبير لرؤية ما سيكون عليه الوضع في النصف الثاني من الولاية الرئاسيّة، وبات العمل على انهاء الحرب في اسرع وقت ممكن، يشكل اولوية لا يمكن اغفالها او تأجيلها.
كل هذه المعطيات وغيرها تضافرت وتم وضعها على الطاولة امام ترامب، وبالتالي يمكن النظر الى اقوال الرئيس الاميركي هذه المرة على انها حقيقية وقابلة للتصديق، وليست مجرد "مناورة" كما حصل نهاية الشهر الفائت في خضم المفاوضات التي كانت قائمة بين طهران وواشنطن، والتي انهارت بفعل الضربات العسكرية الاميركية-الاسرائيلية. وتبقى تفاصيل ايّ اتفاق يمكن التوصل اليه، اساسية بالنسبة الى المنطقة ككل، وليس فقط بالنسبة الى ايران، على امل ان يحمل هذا الاسبوع معه بوادر ايجابية ينتظرها الجميع.
المصدر:
النشرة