لم يعد استهداف الجسور في
جنوب لبنان يُقرأ بوصفه تفصيلًا ميدانيًا عابرًا في سياق حرب مفتوحة، بل بات يوحي بأنه جزء من مسار أوسع يتجاوز الضغط العسكري المباشر إلى محاولة إعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية في الجنوب. فحين تتكرر الضربات على الجسور فوق نهر الليطاني، وتُستهدف المعابر الحيوية التي تربط القرى الجنوبية ببعضها البعض وبالعمق اللبناني، يتبدل السؤال من جدوى عسكرية آنية إلى محاولة استشراف ما إذا كانت
إسرائيل تدفع فعليًا نحو عزل جنوب الليطاني تدريجيًا وتحويله إلى مساحة أكثر انكشافًا وأقل اتصالًا بعمقه اللبناني.
يوحي هذا المسار الميداني بأنّ تل أبيب انتقلت من مرحلة "بنك الأهداف" التقليدي إلى مرحلة الضغط على بنية المكان نفسه. فالجسر في المفهوم العسكري يمثل خط إمداد، لكنه في الواقع اللبناني يمثل نقطة الوصل التي تربط الجنوب ببيروت والجبل وبقية المناطق. ومن هنا، فإنّ تحطيم هذه الأوصال لا يستهدف المقاتلين فحسب، بل يطال فكرة الاتصال الجغرافي التي تمنح الجنوب تماسكه وقدرته على الصمود أمام أي محاولات عزل أو قضم مستقبلية.
ولعلّ هذا ما يفسّر حالة القلق التي تسود الأوساط
اللبنانية الرسمية، إذ لم يعد النقاش يقتصر على حجم الدمار، بل تمدّد إلى ما يوحي به هذا الاستهداف من محاولة لفرض وقائع جغرافية جديدة على الأرض. فالمسألة تتجاوز القرار 1701 والترتيبات الأمنية التقليدية، لتصل إلى محاولة فرض واقع مادي ملموس يجعل منطقة جنوب الليطاني أكثر عزلة وصعوبة من حيث الوصول إليها والخروج منها، بما قد يمهّد لاحقًا لفرض شروط سياسية وأمنية قاسية تحت وطأة الأمر الواقع.
الجسور تحت النار
في الظاهر، تبدو الرواية
الإسرائيلية جاهزة لتبرير قصف البنى التحتية، وقوامها أنّ تدمير الجسور يهدف إلى قطع مسارات الإمداد على "
حزب الله " ومنع انتقال الأفراد والعتاد باتجاه الحافة الأمامية. لكنّ هذه الرواية، حتى لو قُرئت في معناها العسكري المباشر، لا تلغي حقيقة أنّ الجسر هو جزء عضوي من البنية المدنية التي تقوم عليها حياة الجنوبيين اليومية. فهو معبر لسيارات الإسعاف، وقوافل الإغاثة، وشاحنات المواد الغذائية، ومن الشرايين الأساسية التي تبقي القرى والبلدات متصلة بالحياة.
لذا، فإنّ "حرب الجسور" تتحول عمليًا إلى أداة لخنق البيئة المدنية ورفع كلفة البقاء في الجنوب إلى مستويات قاسية. وحين تتوسع هذه السياسة لتشمل جسور القاسمية وغيرها من العقد الرابطة، فإنها تهدف بوضوح إلى قطع التغذية عن القرى والبلدات، ما يضع السكان أمام خيارين شديدَي الكلفة: إما النزوح القسري تحت وطأة الحاجة والارتباك اللوجستي، وإما البقاء في حالة عزل تجعل الوصول إلى المستشفيات أو الحصول على التموين أكثر صعوبة وخطورة.
كما أنّ هذا العزل المنهجي يمثل ضغطًا هائلًا على الدولة بمؤسساتها المنهكة أصلًا، إذ تجد نفسها عاجزة عن إيصال المساعدات أو تأمين الحد الأدنى من الخدمات لمواطنيها في تلك المناطق المعزولة. وهكذا، تصبح الجسور المحطمة أداة لتعميق الفجوة بين الدولة ومواطنيها، وإشعار الجنوبيين بأنهم باتوا في مواجهة مفتوحة مع آلة الحرب، في محاولة لكسر الحاضنة الشعبية وتيئيسها من إمكان استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية في المدى المنظور.
هندسة "المنطقة العازلة"
تتقاطع "حرب الجسور" ميدانيًا مع تصريحات سياسية إسرائيلية بالغة الخطورة، تضعنا أمام سيناريو الفصل الجغرافي المتعمد. فالفصل لا يحتاج دائمًا إلى إعلانات رسمية أو ترسيم حدود جديد، بل يمكن أن يبدأ بتفكيك عقد الربط التي تجعل من الأرض وحدة واحدة. وكلما زاد عدد الجسور المحطمة، تكرّس واقع ميداني يجعل من جنوب الليطاني منطقة شديدة الانكشاف تحت الضغط الناري
الإسرائيلي ، ومنقطعة وظيفيًا عن بقية الجغرافيا اللبنانية.
هذا المسار يتناغم بوضوح مع السقف السياسي المرتفع الذي يعبّر عنه وزراء متطرفون في حكومة بنيامين نتنياهو، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش، الذي يدعو صراحة إلى أن تكون الحدود الفعلية عند نهر الليطاني. ولعلّ أخطر ما في الأمر أنّ التدمير المنهجي للبنى التحتية يمنح هذه الطموحات السياسية صبغة واقعية، فما يتم تدميره اليوم ليس مجرد إسمنت وحديد، بل إمكان التواصل الذي ترفض إسرائيل استعادته في أي ترتيبات مقبلة، سعيًا منها إلى فرض منطقة عازلة تكون خالية من مظاهر الحياة المدنية والعسكرية معًا.
ومن هنا، يجد
لبنان الرسمي نفسه أمام تحدٍ وجودي يتجاوز حدود التفاوض على القرار 1701. فالخوف الحقيقي هو أن تتحول هذه الجسور المحطمة إلى حدود صامتة تفرضها القوة، بحيث يصبح أي حديث عن عودة النازحين أو إعادة الإعمار مرهونًا بقبول شروط أمنية تلامس السيادة الوطنية. إنّ إسرائيل ترفع السقف على مستويين متوازيين: ميدانيًا عبر تصحير الجغرافيا وعزلها، وخطابيًا عبر استحضار الأطماع التاريخية في الليطاني، ما يضع
المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمنع إعادة رسم الخرائط بالنار.
قد يكون من المبكر الجزم بأن إسرائيل حسمت هدفًا نهائيًا جديدًا للحرب، لكن المؤكد أنّ ما يجري اليوم لم يعد يُختصر بالغارات وحدها. فثمة مسار واضح يقوم على ضرب بنية الوصل، وعزل ما دون الليطاني، ورفع كلفة بقاء الجنوب متصلًا ببقية البلاد. وبين "حرب الجسور" والتصريحات الإسرائيلية الأعلى سقفًا، يبدو أنّ السؤال لم يعد فقط كيف تقاتل إسرائيل في الجنوب، بل أي جنوب تريد أن تتركه بعد هذه الحرب.