من المستحيل ان اصدق انني لا اعيش كابوساً، يكون فيه رجل اسمه بنيامنين نتنياهو في موقع السلطة في اسرائيل ، ومسؤول عن سلاح نووي، وصاحب التأثير الاكبر على رئيس اهم دولة في العالم: الولايات المتحدة الاميركية . إنه الكابوس الذي لم ينته بعد، واعيشه، كما الملايين غيري، منذ سنوات.
يصرّ نتنياهو على تقديم نفسه كناطق باسم الله، وكرجل مثقف يعلم ما لا يدركه غيره، الا انه كلّما تكلّم، اظهر بما لا يقبل الشك انه مجبول بالكذب، ويحمل دماً من فئة "غبي سلبي". حيّرنا هذا المجرم المدان بكذبه، فهو تارة يلجأ الى العهد القديم لتفسير الامور وفق ما يراه مناسباً له، ثم يتخلى كلياً عن الدين ليصل الى اعتبار جنكيز خان مثاله الاعلى. لا يمكن فهم هذا الرجل بمعزل عن محاكمته، فمنذ عام ٢٠١٩، يقف رسمياً في قفص الاتهام بتهم الفساد والرشوة وخيانة الأمانة العامة. ومنذ ذلك الحين، تحول مشروعه السياسي إلى شيء واحد لا يتغير: الإبقاء على نفسه في الحكم بأي ثمن، حتى على حساب الناس في المنطقة والعالم، ما جعل محكمة العدل الدولية تصدر حكمها بناء على الأرقام التي كانت تسبق القضاة إلى استنتاجاتهم.
فلنتوقف قليلاً عند آخر "ابداعاته" بالمقارنة بين السيد المسيح وجنكيز خان وتفسيره بالتالي ما قاله الفيلسوف ويل دورانت ، اتما وفق غباء نتنياهو! يظهر مدى تأثر المجرم الحالي بالمغولي الراحل وبـ"فتوحاته" الدموية، واللافت انه حتى داخل اسرائيل لم يتقبله البعض، اذ لا يزال الرئيس اسحاق هرتزوغ يعارض إصدار عفو رئاسي عنه، ما يعني انه حتى الدولة التي يقودها نتنياهو لم تعد تريد التستر عليه.
المشكلة لا تكمن فقط في حساسية المقارنة، بل في الطريقة التي جرى بها تشويه الفكرة الأصلية. دورانت لم يكن يمجّد القوة على حساب القيم، بل كان يطرح فكرة إنسانية عميقة مفادها ان الخير يمكن أن ينتصر على المدى البعيد، فيما العنف يأخذ الانتصار بشكل سريع بثمن باهظ على الانسانية، انما لا يدوم. هذه الفكرة قلب مفاهيمها وأُعجب بما استطاع ان ينتجه غباءه، خصوصاً وانه يكره المسيح الذي دعا الى المحبة ونبذ العنف والى اهمية الانتصار من خلال جذب الآخرين الى مشروع الله الخلاصي، ويعشق في المقابل اجرام جنكيزخان وسطوته على الناس.
ما يثير القلق حقًا هو هذا الإصرار على تقديم القوة كبديل عن السياسة ، وكأن التاريخ لم يعلّم شيئاً. فالقوة قد تفرض واقعاً موقتاً، لكنها لا تصنع استقراراً، ولا تبني سلاماً بل على العكس.
ليست المشكلة في استخدام نتنياهو لاقتباس فلسفي هنا أو هناك، بل في العقلية التي تقف خلف ذلك. عقلية ترى العالم ساحة صراع دائم، وتتعامل مع القيم كترف يمكن الاستغناء عنه. هذه الرؤية، مهما بدت “واقعية” في ظاهرها، تحمل في داخلها بذور الفوضى، لأنها تقوّض الأساس الذي تقوم عليه أي حضارة: التوازن بين القوة والحق.
سيُكتب يوماً ما عن مرحلة نتنياهو في الكتب، لكن السؤال سيكون عن ماهيّة وصف التاريخ له، فهو لن يتمتع حتى بأن يتم ذكره كما ذكر جنكيزخان، بل سيكون المجنون الكاذب الغبي والمجرم الذي ضحى بالكثير ليبقى في منصبه. وهنا، لا بد من توجيه دعوة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي، بأن عليه ان يأخذ العبرة من "مثاله الاعلى"، وقد يسير على خطاه في المصير المشؤوم اذ لا يزال مكان دفن الامبراطور المغولي مجهولاً حتى يومنا هذا، فيما كان انتصار السيد المسيح: القيامة والحياة الابدية.
المصدر:
النشرة