يُحكى كثيرًا عن حركة اتصالات كثيفة تسعى من خلالها السُلطة السياسية في لبنان لتأمين الوُصول إلى وقف للنار، حتى لو اقتضى الأمر الجلوس مع ال إسرائيل يّين على طاولة واحدة، في ظلّ جهود دبلوماسية تبذلها أكثر من دولة لمساعدة لبنان في هذا السياق، وفي طليعتها فرنسا . فهل فعًلا نحن على أبواب وقف قريب للنار، وهل يمكن عقد جلسة مفاوضات لبنانية-إسرائيلية في الأيّام أو حتى الأسابيع المقبلة لتحقيق هذه الهدف؟
بداية لا بُد من الإشارة إلى أنّ أيّ جلسة تفاوض تتطلّب شروط معيّنة لتكون مُثمرة:
أوّلًا: أن يكون الفريقان المعنيّان بها موافقين، وهذا غير متوفّر لأنّ في لبنان لا يُوجد إجماع بعد بشأن هذه المسألة، في حين أن إسرائيل غير راغبة بذلك في المرحلة الراهنة. وإذا كان من المُحتمل أن توافق " تل أبيب " في مرحلة ما في المستقبل على جرّ لبنان إلى طاولة مفاوضات مباشرة، بغرض كسر حال الحرب والمقاطعة، ومحاولة تحقيق مكاسب سياسية مُستدامة، فإنّ تحرّك أي وفد لبناني من دون إجماع واسع أو من دون قاعدة سياسية حاضنة، من شأنه أن يُضعف هذا الوفد، ويجعل قدرته على التفاوض والحسم محلّ تشكيك. والخلاف الداخلي في لبنان يتمحور حول أسماء أعضاء الوفد، وطبيعة المفاوضات لجهة كونها مباشرة أم غير مباشرة ومكان انعقادها، ومضمون هذه المفاوضات والشروط المطلوب التمسكّ بها.
ثانيًا: أن تكون الأمور الميدانية قد حُسمت أو على الأقلّ قد بلغت مرحلة مُتقدّمة، بحيث تتضح هوية الفريق الذي سيُقدّم النسبة الأكبر من التنازلات للتوصّل إلى تسوية. وهذا الأمر غير متوفّر بعد، حيث أنّ المعارك على الأرض لا تزال حاليًا على أشدّها، والغارات والقصف الصاروخي متواصل، في ظلّ مُحاولات من جانب كل من إسرائيل "و حزب الله " تحقيق إنجازات ميدانيّة تُخوّلهما فرض شروطهما، أو على الأقلّ عدم الموافقة على تنازلات كبرى.
ثالثًا: أن يكون الفريقان قادرين على الإلتزام بأي بنود تسوية، وعلى تطبيقها، وإذا كانت إسرائيل قد أظهرت سوء نية واضح خلال اتفاق وقف الأعمال العدائية السابق، وتهرّبت عمدًا من تطبيق البنود الخاصة بها، فإنّ لبنان صار محلّ تشكيك كبير بقدرته على تطبيق أي اتفاق، بسبب ما حصل في السنة والنصف الأخيرة. واليوم الثقة مفقودة بالجانب اللبناني، لجهة أنه غير قادر ميدانيًا على تطبيق أيّ بند خاص بسلاح "حزب الله"، بغضّ النظر عن الالتزامات العلنيّة النظريّة التي يُمكن أن يتعهّد بها.
انطلاقًا ممّا سبق، لا تبدو فرص عقد جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، قريبة، وحتى لوّ نجحت الجهود الدبلوماسية القائمة في تأمين انعقادها، فإنّ فرص نجاحها ضعيفة جدًا في المرحلة الحالية، بحيث أنّ المعايير المطلوبة لتأمين تفاوض ناجح لم تنضج بعد. وفي ظلّ هذا الواقع، ما هي فرص تحقيق وقف للنار قريب في ما خصّ الجبهة اللبنانية؟
لا توجد حاليًا أي مؤشّرات أو بوادر عن قرب التوصّل إلى وقف للنار في لبنان في المدى المنظور. والأخطر أنّ المعلومات والتحليلات تذهب بعيدًا في توقّع حرب طويلة لن تنتهي بتسوية، لأنّ المطلوب هذه المرّة الوُصول إلى حلّ مُستدام لا يسمح ببقاء الأمور مُعلّقة، ويزيل تمامًا احتمال تكرار المواجهات كل بضع سنوات! وحتى تاريخه، لا يزال السقف من قبل فريقي المواجهة، أي إسرائيل و"الحزب" مرتفعًا، وما لم يُصبح أحدهما في موقع المهزوم ميدانيًا، لن يكون من السهل فرض شروط إنهاء النزاع. من جهة أخرى، ما يُحكى عن رفض إيراني لوقف النار في الحرب القائمة بين طهران وكل من واشنطن وتل أبيب، ما لم يشمل بند وقف الحرب على "حزب الله" في لبنان لا يتجاوز مسألة رفع المعنويات، لأنّه حين تحين ساعة التسوية في إيران، يُصبح لبنان تفصيلًا صغيرًا فيها، لن تأخذه طهران في مصالحها الإستراتيجية الكبرى، هذا إذا ما سلّمنا جدلًا أنّها ستكون في نهاية الحرب التي تواجهها حاليًا، في موقع القادر على وضع الشروط!
في الخلاصة، ستبقى الكلمة في الأسابيع القليلة المقبلة للغة السلاح، ولا صوت يعلو على صوت المعركة في لبنان، بغض النظر عن الاتجاه الذي ستسلكه الأمور في المواجهة الأميركي–الإسرائيلية مع إيران. وسقف "الحزب" هو أن تُوقف إسرائيل هجماتها وغاراتها بشكل نهائي، وليس كما حصل في نهاية حرب العام 2024 الماضية، إضافة طبعًا إلى مسألة الانسحاب من المواقع التي احتلّتها وأن تُفرج عن الأسرى. في المقابل، إنّ سقف إسرائيل يقضي بنزع سلاح "حزب الله" كليًا عبر إجراءات ميدانية جِدّية أكثر، وشاملة أكثر، وإلا لا انسحاب ولا إفراج عن أي أسير ولا حتى وقف للنار بل مواجهة مفتوحة ومتواصلة إلى حين الوُصول إلى نتيجة حاسمة، على غرار "السيناريو" الذي جرى تطبيقه في غزة مع حركة "حماس"!.
المصدر:
النشرة