كتبت امل شموني في"نداء الوطن": يقدّم "التقييم السنوي للتهديدات لعام 2026" الصادر عن مجموعة الاستخبارات الأميركية تقييمًا دقيقا وشاملاً للديناميكيات المتقلبة القائمة بين لبنان ، و" حزب الله "، وإسرائيل، وإيران. وتشغل هذه الأطراف موقع الصدارة في أكثر المحاور الإقليمية اضطرابًا في الشرق الأوسط ؛ إذ تُشكّل أفعالها وتفاعلاتها ملامح الاستقرار الإقليمي، والمصالح الأميركية، واتجاهات الأمن العالمي.
ويُصدر تقييم عام 2026 حكمًا واضحًا بشأن منطقة الشرق الأوسط، وذلك بعد مرور أكثر من عامين من الصراع المتواصل: لقد ضعف محور
إيران ، وصعِدت مكانة
إسرائيل ، فيما لبنان يدفع الثمن... غير أن أيًا من هذه المعطيات لا يُفضي إلى تحقيق الاستقرار.
ومع بدء ساعة الحساب لـ"حزب الله"، تشير تقييمات
واشنطن إلى أنه إذا كان تراجع إيران تراجعًا استراتيجيًا، فإن تراجع "حزب الله" يُعد تراجعًا وجوديًا.
فمن خلال فتح جبهة قتال ضد إسرائيل نيابةً عن طهران، استجلب "حزب الله" مستوىً من الضغط العسكري
الإسرائيلي لم يكن مستعدًا لاستيعابه أو تحمله —لا سيما في ظل انشغال إيران وتآكل قدراتها.
لقد أدت الضربات
الإسرائيلية إلى إضعاف القوة التقليدية لطهران، وعرقلة هياكل القيادة لديها، وتجريدها من هالة "المناعة" التي كانت تحميها سياسيًا على الساحات الداخلية الإقليمية في السابق.
ولعل الأمر الأكثر لفتـًا للانتباه هو ما يجري داخل لبنان؛ إذ وللمرة الأولى، أعلن المسؤولون اللبنانيون رسميًا أن النشاط العسكري لـ"حزب الله" يُعد نشاطًا غير قانوني. وهذا لا يعني أن "حزب الله" بصدد نزع سلاحه—فهو لن يفعل ذلك—لكنه يعني أن الإجماع السياسي الذي كان يوفر له الحماية في الماضي قد تصدّع.
وترى أجهزة الاستخبارات مؤشرات على وجود جدل داخلي في صفوف "حزب الله" بشأن مستقبله. وهذا التعبير، بلغة الاستخبارات، يشير إلى أمر أعمق بكثير: لقد بدأت أزمة الهوية تعصف بالحزب. فهل لا يزال الحزب يشكل "قاعدة متقدمة" لإيران في مواجهة إسرائيل، أم أنه تحوّل إلى فاعل لبناني يكافح من أجل البقاء في ظل دولة تترنح نحو الانهيار؟
وقد لا يكون بمقدوره الجمع بين هذين الدورين لفترة أطول!
وفي خضم الأحاديث الدائرة حول الصواريخ والميليشيات، يغيب عن الأنظار البلد الذي يتلقى الصدمات وتداعياتها؛ إذ يظهر لبنان في التقييمات الاستخباراتية الأميركية ليس بصفته "فاعلاً" مؤثراً، بل بصفته مجرد "ساحة صراع": هشـًا اقتصاديًا، ومستنزفًا سياسيًا، وأكثر عرضةً من أي وقت مضى لتداعيات تصعيد عسكري لا يملك القدرة على السيطرة عليه.
ومع تراجع قوة "حزب الله"، لا تزداد قوة لبنان تلقائيًا؛ بل على العكس من ذلك، قد يحدث نقيض هذا الأمر تمامًا. فمن شأن تآكل هيمنة "حزب الله" أن يهدد بكشف التوترات الطائفية الكامنة، وإثارة القلاقل والاضطرابات، واستدعاء المزيد من الضربات الإسرائيلية الرامية إلى "إتمام المهمة".
وبالنسبة للبنان، تجسد هذه الحالة المفارقة القاسية لحروب الوكالة: فحتى عندما يُمنى "الوكيل" بالهزيمة، تظل الدولة المضيفة هي التي تدفع الثمن وتعاني من التداعيات.
في المقابل، تعمل إسرائيل من موقع قوة؛ إذ ساهمت قدراتها الاستخباراتية المتغلغلة، ونطاق نفوذها العسكري الواسع، واستعدادها لتوجيه ضربات استباقية، في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وتتوقع أجهزة الاستخبارات أن تواصل إسرائيل توجيه ضرباتها ضد "حزب الله"، وأن تحول دون تمكين إيران من إعادة بناء قدراته—باستخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة.
من هنا ترى الاستخبارات الأميركية أن هذه ليست نهاية الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023؛ بل هي مرحلة انتقال إلى الفصل الأكثر غموضًا وتعذرًا على التنبؤ.