يتصاعد المشهد الميداني في جنوب لبنان على وقع تداخل الهجمات المتبادلة، حيث يكثف حزب الله عملياته النارية ويوسّع نطاق استهدافه، في مقابل محاولة إسرائيل فرض وقائع برية جديدة تحت غطاء ناري كثيف.
وأكدت التحقيقات التي أجراها الجيش أمس، حول غارتين استهدفتا عناصره في قعقعية الجسر وزبدين أن القصف
الإسرائيلي كان متعمداً. في الغارة الأولى، استهدفت مسيرة بصاروخ، دراجة وسيارة كانتا تسيران بشكل متقارب، وكان على متنهما جنود يرتدون بدلاتهم العسكرية في طريق عودتهم من خدمتهم، ما أدى إلى استشهاد عسكري وجرح أربعة أحدهم بحال خطرة. واستهدفت الغارة الثانية دراجة نارية يستقلها عسكريان على طريق زبدين كانا بلباسهما العسكري، في الطريق إلى خدمتهما، ما أدى إلى استشهادهما.
أما على خط المفاوضات، فكشف مصدر لبناني رسمي رفيع لـ«الشرق الأوسط» أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعث بمقترح لوقف إطلاق النار نقله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرئيس اللبناني جوزيف عون قبل 10 أيام، لكن إقفال «حزب الله» قنوات التواصل، ومن ثم إطلاقه عملية عسكرية واسعة تحت عنوان «العصف المأكول»، أفشلا هذه المبادرة، وزادا التشدد الإسرائيلي في المقابل.
ويؤكد مصدر رسمي لبناني أن لا موعداً ولا مكاناً محددين بعد لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل. مشيراً إلى أن لا رد رسمياً إسرائيلياً بعد حولها، لكن ثمة رسائل تبعثها تل أبيب إلى لبنان عبر ماكرون، ثم عبر ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت، وفيها سؤال جوهري لم يجد لبنان له جواباً بعد، وهو: هل إذا أوقفنا القتال، سيتوقف «حزب الله» عن إطلاق الصواريخ؟
المصدر الرسمي أكد أن إسرائيل تصرّ في رسائلها غير المباشرة على وجود عضو شيعي في الوفد اللبناني المفاوض. ويعتقد المصدر أن بإمكان بري أن يلعب دوراً أساسياً في العملية التفاوضية، باعتبار أنه الوحيد القادر أن يشكل نوعاً من الضغط على الحزب في المرحلة الحالية، وما سيليها من مراحل.
وأكد المصدر أن مبادرة الرئيس اللبناني لاقت آذاناً صاغية في
الولايات المتحدة الأميركية، كاشفاً أن مستشار الرئيس دونالد ترمب للشؤون الأفريقية بولس مسعد وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير قد كُلّفا رسمياً متابعة هذا الملف وقيادة عملية التفاوض المتوقعة.
ووفقاً للمصدر، فإن ضغط النزوح بات هائلاً على مؤسسات الدولة
اللبنانية ، في ظل غياب الدعم الخارجي. متسائلاً عمن سوف يساعد في إعادة الإعمار في ظل حال اللااستقرار التي تفرضها الحروب في المنطقة وانشغال دول العالم بأوضاعها الاقتصادية الصعبة.
وكشف عن أن
الأمم المتحدة أطلقت بشخص أمينها العام أنطونيو غوتيريش خلال زيارته لبيروت نداءً إنسانياً لجمع 300 مليون دولار للتعامل مع أزمة النزوح، لكنها بالكاد تمكنت من جمع 100 مليون دولار لا تكفي للتعامل مع 1.3 مليون نازح.
ويؤكد المصدر أن مبادرة عون لا تشمل الآن هدفاً يتمثل باتفاق سلام مع إسرائيل، بل هي مفاوضات تقنية، تبدأ بوقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود. أما موضوع نزع سلاح «حزب الله»، فهو أمر بديهي بعد تحقيق هذه الشروط، حيث لن يعود له مبرر أبداً. وسيصار إلى التعامل معه بحزم وفقاً لقرارات الحكومة اللبنانية ومصلحة لبنان العليا التي تقتضي أن تكون أمرة السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها.
ويوضح المصدر أن الرئيس عون، والحكومة، قررا في وقت سابق التعامل مع موضوع السلاح بسلاح التفاهم مع «حزب الله»، لكن آخر الدواء الكي، إذا لم يتجاوب مع ما تقتضيه مصلحة البلاد ومصلحة البيئة الشيعية تحديداً، التي عانت ما عانته بسبب القرارات المتسرعة وغير المفهومة بدخول حرب إسناد جديدة بموازين قوة غير متناسبة، ومن دون أفق عسكري واضح.
وأوضح المصدر أن الجيش اللبناني بدأ يتعامل بالفعل بشدة مع عناصر الحزب المسلحين، وهم باتوا غير قادرين على نقل السلاح بحرية، ولا المسلحين عبر حواجز الجيش ونقاطه المنتشرة جنوباً، كما أن الجيش بات على معرفة بكثير من المواقع التي يمكن أن يتعامل معها لاحقاً بعد نهاية الحرب.
ويستغرب المصدر بشدة ما يقال بأن هذه الحرب «مصيرية» بالنسبة لشيعة لبنان، مشيراً إلى أن الشيعة في لبنان هم طائفة مؤسسة، وموجودة في كل مفاصل الدولة وممثلة بقوة في البرلمان، ولم يسعَ أحد يوماً لعزلها أو استضعافها أو تهميشها، بل العكس. فالمطلوب من هذه الطائفة أن تكون شريكاً أساسياً في إعادة بناء لبنان والمساهمة في استقراره وازدهاره. مشدداً على أن اختصار البيئة الشيعية بحزب أو
تيار لا يتناسب مع الواقع.
وكشفت مصادر رسمية مطلعة لـ "نداء الوطن" أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يصرّ على الإمساك بورقتها، في وجه محاولات "حزب الله" نزعها منه وتجييرها إلى عين التينة. إلى ذلك، تنصح مصادر دبلوماسية غربية الشرعية اللبنانية، بتشكيل وفدها وبتحضير أوراقها للتفاوض، سواء شارك فيه ممثلٌ عن الطائفة الشيعية أم لم يشارك، فإذا نجحت الدولة في هذا الامتحان، تكون قد أرسلت رسالة إيجابية إلى المجتمع الدولي بأنها خرجت من زمن التعايش مع الدويلة، ما يعزز فرص المسار الدبلوماسي لحل النزاع وفتح آفاق السلام.
وفي إطار المتابعة الرسمية للتطورات الميدانية في الجنوب، علم أن محادثات الرئيس عون مع السفير البابوي باولو بورجيا في بعبدا أمس، ركزت بشكل أساسي على انتزاع ضمانات دولية لحماية قرى الشريط الحدودي. إذ يقود الفاتيكان اتصالات حثيثة مع إسرائيل لمنع تهجير السكان وإفراغ القرى من أهلها. كما استعرض اللقاء مبادرة عون للدفع بمسار التفاوض نحو السلام، استلهامًا لـ "نداء السلام" الذي سبق وأطلقه البابا لاوون الرابع عشر من
بيروت ؛ حيث أكد السفير البابوي التزام الكرسي الرسولي بمتابعة الملف اللبناني بجميع تفرعاته لوقف الحرب وإحياء عجلة المفاوضات.
هذا الملف حضر أيضًا في لقاء عون مع السفير الفرنسي، الذي جدد تأكيد استمرار باريس في جهودها الدبلوماسية لوقف العمليات العدائية، ودعم خيار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل كسبيل للحل.
وكتبت" الديار": في حين رحب الاتحاد الأوروبي «بدعوة لبنان إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل»، كشفت مصادر أميركية أن اجتماعا تقييميا عقد في
وزارة الخارجية ، بحضور عدد من المسؤولين عن الملف اللبناني، انتهى إلى نظرة سلبية لكل من الجيش اللبناني والسلطة اللبنانية اللذين «فقدا ثقة الإدارة الأميركية بشكل كامل»، كاشفة عن رفع المجتمعين للقيود عن استهداف البنى التحتية اللبنانية بشكل تدريجي، وهو ما بدأ فعلا عبر تدمير عدد من الجسور جنوب الليطاني.
وتابعت المصادر، بأن الجانب الأميركي غير جاهز حاليا، سواء الإدارة أو الكونغرس، لإعطاء أي فرصة إضافية للسلطة اللبنانية، وسط قناعة بعجزها عن تطبيق كل ما تلتزم به، مؤكدا أن كل ما يروج له في بيروت عن أسماء لأشخاص جرى تكليفهم بإدارة الملف اللبناني هو غير صحيح، ولا يعدو كونه امنيات للبعض، إذ لا مفاوضات قبل تغيير التوازنات، ولا عودة إلى التسويات السابقة.
من جهته كشف مصدر مقرّب من حزب الله أن ما يُطرح اليوم من تفاوض ليس سوى صيغة لبنانية جرى «إلباسها ثوباً فرنسياً» لإضفاء طابع دولي عليها، في حين أن جوهرها، وفق المصدر، يشكل تفاوضاً من دون شروط واعترافا بالاسرائيلي والاستسلام له تحت ضغط الحرب. وحذّر المصدر من أن القبول بهذه الصيغة يعني عملياً الذهاب نحو استسلام سياسي وأمني لن يكون له سوى نتيجة واحدة: تفجير الداخل اللبناني وفتح الباب أمام فوضى شاملة «لن تُبقي أحداً في مكانه». ويضيف أن المرحلة الحالية لا تحتمل رهانات خاطئة، لأن «الإسرائيلي لا يريد سوى إخضاع لبنان وكسر إرادته، ولو على حساب دماء أبنائه»، مشدداً على أن الخيار الوحيد المطروح هو الصمود في الميدان باعتباره «الفاصل الحقيقي»، والاستمرار في الدفاع عن النفس وحماية لبنان وسيادته وحقوق شعبه، لأن أي تراجع في هذه اللحظة سيقود إلى خسارة أكبر لا يمكن احتواؤها لاحقاً.
وأوضحت مصادر سياسية مطلعة لـ«اللواء» ان التصعيد لا يزال سيد الموقف وما من تباشير بوقف اطلاق النار ما يعني ان الحرب قد تطول وذلك في ظل غياب ضغط يمارس على طرفي القتال.
ولفتت هذه المصادر الى ان الدولة قالت كلمتها سواءٌ في حصرية السلاح او التفاوض، وأكدت ان الحراك الرئاسي ينشط في اكثر من اتجاه،كما ان المواقف التي تصدر من قصر بعبدا تؤيد مبادرة رئيس الجمهورية.
توازيًا، برز أمس تصريح رئيس وفد التفاوض الإسرائيلي مع لبنان رون ديرمر، حيث أشار إلى أن "هناك 13 نقطة خلاف حدودية مع لبنان تمت تسوية معظمها". وأضاف أنه "يمكن الحديث عن اتفاق سلام مع لبنان"، لافتًا إلى أن إسرائيل لا تخطط لاحتلال جنوب لبنان".