بعد ان قرر حزب الله الدخول في حرب ايران الولايات المتحدة الاميركية-اسرائيل من خلال فتح جبهة "اسناد ايران"، لم يعد بالإمكان قراءة المشهد ال لبنان ي بمعزل عمّا يجري في المنطقة. فالمواجهة الحالية تجاوزت، كما بات معروفاً، حدود الاشتباك التقليدي على الجبهة الجنوبية، لتصبح جزءاً من صراع أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات سياسية إقليمية، ما يجعل كل العناوين الصادرة عن الحزب وعن اسرائيل على حد سواء، غير واقعية ومجرد شعارات تخبّئ خلفها الكثير من الاهداف غير المعلنة.
من بين أبرز هذه الشعارات، يبرز هدف "القضاء على حزب الله" وهو ما دأبت اسرائيل على الترويج له منذ اندلاع هذه المواجهات مع بداية هذا الشهر. غير أنّ قراءة واقعية لهذا الطرح تكشف أنه أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى خطة قابلة للتحقق بالكامل، فالحزب لا يمثّل مجرد قوة عسكرية يمكن تفكيكها بضربات مركّزة، بل امتداده هو داخل المجتمع والسياسة، ما يجعل فكرة استئصاله نهائياً أمراً شديد الصعوبة، حتى في ظل حرب واسعة النطاق.
ولكن الواقعية تفرض القول ان العمليات البرّية والنجاح في احتلال مساحات من الاراضي اللبنانية، يقلّص بشكل كبير القدرات العسكرية للحزب عبر استهداف البنى التحتية ومراكز القيادة ومنظومات التسليح... لكن الفارق بين "الإضعاف" و"القضاء او الانهاء" يبقى واسعاً وغالباً ما يتم التغاضي عنه في الخطاب العام، ما يخلق فجوة بين التوقعات والواقع.
في المقابل، تبرز مبادرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالدعوة إلى حوار مباشر كتحوّل لافت في السلوك السياسي اللبناني، فهي تعبّر عن محاولة للانتقال من موقع المتلقّي إلى موقع المبادِر، وفتح نافذة لمعالجة النزاع بوسائل سياسية، مدعوماً بتشجيع اوروبي وفرنسي بشكل خاص. إلا أن توقيت هذه الخطوة يطرح إشكالية أساسية، إذ يُنظر إليها من قبل واشنطن تحديداً على أنها سابقة لأوانها، في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم اتضاح موازين القوى النهائية. من هذا المنظور، فإن رفض الانخراط في حوار فوري لا يعكس بالضرورة رفضاً لمبدأ التفاوض، بل يعكس رغبة في تأجيله إلى ما بعد تحقيق مكاسب ميدانية تترجم إلى أوراق ضغط على طاولة المفاوضات. فالحروب، في جوهرها، لا تخاض فقط لتحقيق انتصارات عسكرية، بل لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض توازنات جديدة. ولا يمكن إغفال البعد الإقليمي المتصاعد، حيث باتت الساحة اللبنانية جزءاً من شبكة أوسع من المواجهات. فمع انخراط أطراف إقليمية بشكل مباشر، لم يعد القرار محصوراً داخل الحدود اللبنانية، بل أصبح مرتبطاً بتطورات تتجاوزها، ما يزيد من تعقيد أي مسار نحو التهدئة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الهدف الفعلي لما يجري لا يتمثل في حسم نهائي، كما يسوّق له الاسرائيليون، بقدر ما هو محاولة لإعادة تشكيل واقع جديد يسمح بإنتاج مرحلة جديدة من الردع، قد تحمل في طياتها استقراراً هشاً أو توتراً مؤجلاً. هنا تبرز المفارقة اللافتة: ما يعتبره البعض في لبنان فرصة للحل السياسي، يجد تفسيراً مغايراً في الخارج يتمحور حول عدم تعليق الصراع قبل نضوج شروطه.
ويمكن القول ان الوضع الميداني هو الحكم، اذ اعاد الحزب الى المكان الذي يريده والذي يضفي عليه شرعية فقدها تدريجياً منذ مواجهات "اسناد غزة" وصولاً الى "اسناد ايران"، حيث لا يمكن لاحد ان يعارض مقاومة احتلال بات متواجداً على مساحة كبيرة من الاراضي اللبنانية، بغض النظر عن الاسباب التي اوصلت الامور الى هذا الحد. انه السباق الدبلوماسي الذي ينتظر ما ستسفر عنه المواجهات الميدانية.
المصدر:
النشرة