على خلفية التفاوض مع إسرائيل، الذي ترتفع أسهمه حينًا وتنخفض حينًا آخر تبعًا لوتيرة الميدان، انشغل اللبنانيون في الأيام القليلة الماضية بسجال من نوع آخر، أظهر شرخًا عميقًا فيما بينهم في مقاربة سبل الخروج من الحرب الدموية التي يتعرض لها البلد برمّته. إلا أنّ هذا السجال لا يبدو متعلقًا بمبدأ التفاوض بحدّ ذاته، كما حاول البعض تصويره، بقدر ما يتعلق بالجهة التي تملك "حق" تعريفه ورسم حدوده.
فبينما يدفع رئيس الجمهورية جوزاف عون نحو إبقاء الباب مفتوحًا أمام مبادرة تفاوضية جديدة تواكب حجم الضغوط الدولية وتطورات الحرب المفتوحة، يحرص رئيس مجلس النواب نبيه بري على تثبيت نقطة جوهرية مغايرة، تنطلق من ضرورة بقاء أي مسار تحت سقف اتفاق تشرين الأول 2024، ولجنة "الميكانيزم" المنبثقة عنه، رفضًا لتحويل ملف التفاوض إلى منصة يُعاد عبرها رسم التوازنات الداخلية تحت وطأة النيران الميدانية.
بذلك، لا يبدو الخلاف القائم انقسامًا تقليديًا بين مؤيد للحوار ورافض له، بقدر ما يبدو نزاعًا أعمق على مرجعية القرار: من يحدد شكل التفاوض، ومن يرسم حدوده، ومن يملك حق التحدث باسم الدولة في واحدة من أخطر لحظات الحرب والسلم. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في الرغبة بإنهاء الحرب، بل في "من يمسك بمقود الحل". وعليه، فإن قراءة المشهد الراهن تتطلب الغوص في عمق الأهداف التي يسعى كل طرفٍ لتثبيتها في هذه اللحظة التاريخية الحرجة.
صحيح أن أجواء الأيام الأخيرة أوحت بأن الباب فُتح، ولو جزئيًا، أمام تحضيرات لوفد لبناني أو لمسار تفاوضي محتمل، لكن الواضح أيضًا أن هذا الباب لم يتحول بعد إلى قرار سياسي مكتمل. وهنا يبدو لافتًا الحراك الذي يقوم به رئيس الجمهورية جوزاف عون، وهو الذي لا يطرح نفسه فقط كمسهّل لاتصالات أو كمستجيب لطلب خارجي، بل كرئيس يريد أن يثبت أنّ الدولة هي صاحبة المبادرة في أخطر ملفات الحرب والسلم.
لذلك، فإن تقارير الأيام الأخيرة عن دفع رئاسي جدي للاستعداد للانخراط في مسار تفاوضي محتمل، لا ينبغي قراءتها إلا في سياق محاولة تثبيت مرجعية الرئاسة، وتقديم الدولة بوصفها صاحبة القرار الرسمي، والاستفادة من لحظة الحرب لتكريس صورة عهد يريد استعادة الملف السيادي إلى المؤسسات. كما تعكس هذه المقاربة حرص بعبدا على ألّا تبدو في موقع من ينتظر ما يقرره الآخرون، بل في موقع من يحاول أن يكون حاضرًا عندما تنضج اللحظة المناسبة.
بهذا المعنى، يحاول الرئيس عون الاستفادة من "النافذة الدولية" المفتوحة، ومن الضغوط الفرنسية والدفع الأميركي، لتعزيز موقع الرئاسة كمرجعية وطنية عليا تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. وهو لا ينطلق في ذلك من رغبة في الانقلاب على التوازنات القائمة، بل من قناعة بأن استعادة الدولة لقرارها هي الممر الإلزامي الوحيد لحمايتها من التفكك، وضمان اعتراف العالم بلبنان كدولة سيدة ومستقلة في مرحلة ما بعد الحرب.
والأدق أنّه يجسّ نبض القوى السياسية الفاعلة، ويحاول البناء على نافذة دولية مفتوحة، ولو جزئيًا، لإظهار أن الرئاسة ليست خارج مشهد القرار. فالرئيس يعرف أن أي تقدم في هذا الملف يحتاج إلى أكثر من غطاء دستوري، ويحتاج أيضًا إلى حد أدنى من التفاهم الداخلي. لكنه يعتبر، في الوقت نفسه، أن الانكفاء في هذه اللحظة هو تفريط بالمسؤولية الوطنية، ولذلك تبدو مبادرته أقرب إلى محاولة تثبيت دور الدولة من داخل التوازنات، لا إلى القفز فوقها.
هنا تحديدًا تكمن العقدة التي تمنح المشهد توازنه. فبري، وفق موقفه المعلن بعد لقائه السفير الفرنسي، لم ينسف مسعى الحل، ولم يرفع لواء الرفض المطلق. على العكس، أثنى على الجهود الفرنسية وعلى دور الرئيس إيمانويل ماكرون في السعي إلى وقف الحرب وعودة النازحين، لكنه شدد، في الوقت نفسه، على التمسك والالتزام باتفاق تشرين 2024 ولجنة "الميكانيزم" باعتبارهما الإطار العملي والتفاوضي لتطبيق الاتفاق، وهنا بيت القصيد.
إن دلّ هذا الأمر على شيء، فعلى أن بري لا يقول "لا" للتفاوض، بل يقول عمليًا إن التفاوض موجود أصلًا داخل إطار قائم، ولا ضرورة لفتح باب آخر قد يحمل أثمانًا سياسية أكبر. ولذلك، يمكن فهم تحفظ رئيس مجلس النواب من ثلاث زوايا أساسية، أولها رفض تجاوز الاتفاق القائم إلى مسار جديد قد يُفهم في الداخل والخارج بوصفه إعادة تأسيس للملف من الصفر، بما يفتح الباب أمام شروط إضافية، وتنازلات قد يعدّها كثيرون مجانية.
أما الزاوية الثانية، فهي التمسك بالشراكة السياسية والميثاقية في ملف يمسّ البيئة الشيعية والوطنية بشكل مباشر وحساس، ورفض أي تهميش لمكونات أساسية في رسم خارطة الحل. ولا تقلّ الزاوية الثالثة أهمية، وهي الحذر من أن يتحول أي "مسار جديد" إلى مدخل لفرض شروط دولية تتصل بسلاح " حزب الله " ودوره السياسي بعيدًا عن ميزان القوى الداخلي، بما قد يفجر أزمة وطنية كبرى.
وعليه، يظهر رئيس مجلس النواب في هذا السياق متمسكًا بإطار تفاوضي قائم ومجرّب، انطلاقًا من قناعة بأن القفز فوق لجنة "الميكانيزم" هو قفز في المجهول. ومن هذا المنطلق، فإن إصراره على تسمية "العضو الشيعي" في أي لجنة أو وفد لا يبدو تفصيلًا إجرائيًا، بل تعبيرًا عن ضرورة التمثيل الحقيقي والشراكة الفعلية في اتخاذ القرار، حتى لا تأتي أي تسوية مقبلة على حساب التوازنات التي أفرزتها العقود الماضية.
لا يبدو عون وبري مختلفين، إذًا، على مبدأ إنهاء الحرب بقدر ما يختلفان على الطريق إلى هذا الهدف. فإذا كان الرئيس عون يميل إلى مقاربة ترى في المبادرة السياسية جزءًا لا يتجزأ من عملية استعادة الدولة لموقعها الطبيعي، فإن بري يتبنى في المقابل، مقاربة تعتبر أن حماية الدولة تمر حتمًا عبر عدم القفز فوق التوازنات الداخلية والإطارات التفاوضية المتفق عليها سابقًا. وعليه، فإن الخلاف الحقيقي ليس على توقيت المفاوضات أو شكل الوفد، بل على من يرسم سقف التفاوض، ومن يحدد من يمثل لبنان، ومن يقرر إن كان المطلوب تطبيق اتفاق قائم أم فتح مسار جديد قد يخلط الأوراق داخل السلطة وخارجها معًا.
وفي هذا السياق، تكتسب كل التفاصيل التي تبدو صغيرة دلالة أكبر من حجمها الظاهر، إذ يرى البعض أنها تخفي في طياتها نزاعًا عميقًا على "الكلمة المرجعية" في لحظة الحرب والمصير. فالتقارير التي تتحدث مثلًا عن ضغوط فرنسية مكثفة على عين التينة بشأن تسمية الأعضاء المشاركين في أي مسار جديد، تعزز القناعة بأن العقدة ليست إجرائية فحسب، بل هي عقدة شراكة وتمثيل بامتياز.
ربما لا تكون المشكلة الفعلية في أنّ باب التفاوض لم يُفتح بعد، بل في أنّ القوى اللبنانية لم تتفق بعد على أي تفاوض تريد. هنا تحديدًا يتقاطع حرص عون على تثبيت مرجعية الدولة مع حرص بري على تثبيت مرجعية الاتفاق القائم، لتظهر الأزمة، في جوهرها، كصراع على من يملك حق تعريف القرار الوطني وحدوده، لا كخلاف بسيط بين من يريد الحل ومن يعطله.
في النتيجة، لا يبدو لبنان منقسمًا بين مؤيد للتفاوض ورافض له، بقدر ما يبدو منقسمًا على تعريف "عملية التفاوض" نفسها وحدود المرجعيات المتحكمة بها. فبين حرص عون على تثبيت مرجعية الدولة بصفتها صاحبة المبادرة السيادية، وحرص بري على الالتزام بالإطارات التوافقية القائمة، تظهر الأزمة في جوهرها كصراع على من يملك حق تعريف القرار الوطني في أدق اللحظات.
لكن المشكلة أن هذا الانقسام حول "المرجعية" قد يؤدي إلى إضعاف الموقف اللبناني أمام الخارج، حيث تبدو الدولة وكأنها تتحدث بلسانين في آن واحد. وفي ظل غياب التنسيق الكامل، يخشى المراقبون من أن يتحول هذا النزاع إلى ثغرة ينفذ منها الخصوم لفرض شروطهم، ما يجعل التوافق على "مرجعية القرار" ضرورة تفوق في أهميتها تفاصيل الاتفاق التقني نفسه، ضمانًا لخروج لبنان من هذه الحرب بأقل الخسائر السياسية والوطنية.
المصدر:
النشرة