شهد الثامن والعشرون من شباط 2026 تحولاً زلزالياً في المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط، حيث أطلقت الولايات المتحدة الأميركية بالتحالف مع إسرائيل حملة عسكرية استراتيجية مفاجئة وواسعة النطاق ضد أهداف سيادية وعسكرية في عمق الأراضي ال إيران ية. لم تقتصر هذه الحملة على تحييد البنى التحتية العسكرية، بل بلغت ذروتها السياسية والأمنية مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعدد كبير من القيادات العليا في الدولة. وكرد فعل حتمي على هذا التهديد الوجودي، تبنت القيادة الإيرانية استراتيجية عقابية غير متكافئة استهدفت العصب الحساس والرخو للاقتصاد العالمي: مضيق هرمز .
في الثاني من آذار 2026، أعلنت طهران الإغلاق الوظيفي للمضيق، محولةً بذلك النزاع العسكري الإقليمي إلى صدمة هيكلية عالميّة تعيد رسم ملامح أسواق الطاقة، وحركة الملاحة البحريّة، ومعدلات التضخم والنمو الماكرو-اقتصادي.
يطرح هذا التقرير البحثي المعمق تحليلاً شاملاً وتفكيكاً دقيقاً للعمليات العسكرية الجارية في مضيق هرمز ومحيطه الجغرافي، مسلطاً الضوء على استراتيجية الاستهداف الإيراني لحاملات النفط وتأثيراتها العميقة والممتدة على إمدادات الطاقة العالميّة. كما يغوص في تفاصيل الخسائر الاقتصادية اليوميّة، والانعكاسات المعقدة على الاقتصاد العالمي في حال استمرار هذا الشلل الملاحي أو تطور الأحداث نحو سيناريوهات أكثر دراماتيكية. علاوة على ذلك، يتتبع التقرير مآلات الحرب الدائرة، متفحصاً التباينات في الأهداف الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، ومتأمّلاً في الديناميّات الداخليّة الإيرانية بعد التحولات القيادية الاستثنائيّة وتأثيرها على العقيدة العسكريّة والبرنامج النووي.
هيمنة تقليديّة وتقويض؟
في هذا الاطار، اتسمت الأيام الأولى من الحرب بكثافة ناريّة غير مسبوقة، حيث تجاوز حجمها المستخدم في الساعات الأربع والعشرين الأولى ما شهده العالم في حملة "الصدمة والترويع" خلال غزو العراق عام 2003. حيث نفّذت الطائرات الحربيّة الإسرائيلية، بمشاركة حوالي 200 طائرة مقاتلة، موجات متتالية من الضربات الجوية المركّزة التي استهدفت تدمير شبكات الدفاع الجوي الإيرانيّة، لاسيما في غرب وشمال البلاد، بغية تحقيق تفوق جوي مطلق وتعبيد الطريق أمام الطائرات المسيّرة والقاذفات الأميركية لضرب الأهداف المحصنة.
من جانبها، ركزت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) على تدمير المجمع الصناعي العسكري الإيراني، بما في ذلك خطوط إنتاج الصواريخ الباليستيّة والطائرات المسيّرة الانتحاريّة، فضلاً عن القواعد البحرية. وبحلول منتصف آذار، صرحت وزارة الدفاع الأميركية بأنها ضربت أكثر من 6000 هدف داخل إيران. وأكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث أن قدرات الإنتاج الدفاعي الإيراني قد "دُمرت وظيفياً"، مشيراً إلى انخفاض معدل إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية بنسبة 90% والطائرات المسيّرة بنسبة 95% مقارنة باليوم الأول للصراع، حسب قوله.
وقد شملت العمليات الأميركية تدمير أكثر من 30 سفينة لزرع الألغام ومستودعات تصنيع بحرية، في محاولة استباقية لمنع إيران من تلغيم مضيق هرمز بشكل واسع. كما غاصت العمليات في أعماق المحيط الهندي ، حيث قامت غواصة أميركية بإغراق الفرقاطة الإيرانية (IRIS Dena) قبالة سواحل سريلانكا في الرابع من آذار الجاري، في رسالة تهدف إلى تحييد أيّ قدرة بحرية إيرانية على العمل في المياه المفتوحة. ورغم هذا التفوق التكتيكي الكاسح والادعاءات بتدمير القوة العسكرية الإيرانيّة، برزت مفارقة استراتيجيّة صارخة: ظلّ المضيق مغلقاً وظيفياً، وبقي الاقتصاد العالمي رهينة لتكتيكات غير متكافئة أثبتت فعاليتها في شلّ حركة الملاحة المدنية.
تشريح المضيق جيوسياسيًّا
ولفهم حجم الكارثة الاقتصاديّة، يجب وضع مضيق هرمز في سياقه الجغرافي والاقتصادي الدقيق. حيث يربط هذا الممر المائي الضيق، الذي يبلغ عرضه حوالي 33 كيلومتراً في أضيق نقاطه، بين مياه الخليج العربي وخليج عُمان، وصولاً إلى بحر العرب والمحيط الهندي، ممثلاً الشريان الأبهر للاقتصاد العالمي.
لتوضيح الأهمية النسبية لهذا المضيق مقارنة بنقاط الاختناق البحرية الأخرى، يعرض الجدول التالي مقارنة دقيقة لحجم التدفقات النفطية اليومية وقيمتها الاقتصادية التقديرية قبل اندلاع الحرب في عام 2026:
وتُظهر هذه البيانات أن مضيق هرمز يستحوذ منفرداً على تمرير حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، وما يقرب من 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً. والأهم من ذلك، أنه يشكل الممر الحصري لنحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية، والتي تنبع أساساً من دولة قطر، إحدى أهم ركائز أمن الطاقة لأوروبا وآسيا. ويعتبر أي خلل في هذا الممر لا يمثل "قصة نفط إقليمية" فقط، بل هو "قصة تضخم ونمو عالمية" تؤثر على سلاسل الإمداد، وتكاليف النقل، والاستقرار المالي العالمي.
استراتيجية الإغلاق الوظيفي
هنا لا بد من الإشارة الى أن القيادة العسكرية الإيرانية أدركت، لاسيما الحرس الثوري (IRGC)، أن الدخول في مواجهة بحرية تقليدية مع الأسطول الخامس الأميركي وحلفائه هو انتحار عسكري محتوم. لذلك، لم تعتمد استراتيجية طهران للسيطرة على المضيق على التفوق البحري الكلاسيكي، بل على العقيدة اللامركزية وتوظيف "الإدراك بالمخاطر" (Risk Perception) كسلاح رادع. وكما أثبتت تجربة جماعة الحوثي في أزمة البحر الأحمر عام 2024، فإنّ عدداً محدوداً من الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة يكفي لانهيار ثقة شركات الشحن والتأمين، ممّا يؤدّي إلى انخفاض حركة الحاويات بنسبة تصل إلى 90%.
تكتيك الاستهداف والردع الإيراني
ولتحقيق هذا الإغلاق الوظيفي، استخدمت إيران مزيجاً معقداً من التكتيكات العسكرية والأمنية. سجلت التقارير الاستخباراتية والأمنية، مثل تلك الصادرة عن (ACLED)، ما لا يقل عن 25 هجوماً مباشراً ضد أهداف شحن في الخليج والمضيق منذ 28 شباط الفائت، تركز أكثر من 30% منها في اليوم الأول من شهر آذار وحده كرسالة حازمة بأن التهديد بالإغلاق ليس خطابياً بل واقعاً عملياتياً. وقد طالت هذه الهجمات حوالي 18 سفينة، وشكلت ناقلات النفط ما يقرب من 40% من الأهداف الإجمالية.
من بين الحوادث البارزة التي شكلت نقاط تحول في مسار الأزمة:
استهداف ناقلة النفط الأميركية (Safe sea Vishnu) التي ترفع علم جزر مارشال، وناقلة (ZEFYROS) التي ترفع علم مالطا، باستخدام زوارق سطحيّة مسيّرة ومفخّخة (USVs) قبالة سواحل البصرة.
قصف سفينة الشحن التايلاندية (Mayuree Naree) بمقذوف ناري، مما أسفر عن حريق في غرفة المحرك وفقدان ثلاثة بحارة.
استهداف ناقلات أخرى مثل (Skylight) التي ترفع علم بالاو قبالة سواحل سلطنة عُمان، و(Hercules Star) التي تعمل في تزويد الوقود، بالإضافة إلى هجمات شملت سفناً تابعة لشركات مثل (Star Bulk) وMOL)).
استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية لضرب البنية التحتية البرية للطاقة في الدول المجاورة، كاستهداف مصفاة رأس تنورة وحقل الشيبة النفطي في المملكة العربية السعودية، ومنشآت تخزين في البحرين، مما يعكس توسيعاً جغرافياً لنطاق التهديد.
فوضى تكنولوجية وحرب الظل
وفي ظل السيطرة الجويّة الكاملة للولايات المتّحدة واسرائيل على سماء ايران، لم تكتفِ الأخيرة بالهجمات المباشرة، بل انخرطت في حرب إلكترونيّة وتكتيكات تضليل. لتفادي الاستهداف، حيث لجأ ما يُعرف بـ"أسطول الظل" الإيراني، الذي يضم أكثر من 40 سفينة، إلى إطفاء أنظمة التعريف الآلي (AIS) والعمل في "الظلام" الملاحي، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني. علاوة على ذلك، لجأت الجمهورية الاسلاميّة لتكتيكات "الرايات الزائفة"، حيث صرحت بأنها ستسمح بمرور السفن الصينية، مما دفع بعض السفن التجارية (مثل السفينة الليبيرية Sino Ocean) لبثّ وجهات مزيّفة تُشير إلى أنّ طاقمها بالكامل من الصين أو أن مالكها صيني لتأمين عبورها.
في المقابل، استخدمت دول الخليج أنظمة التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لحماية منشآتها من الصواريخ الموجهة بدقة، وهو ما أدّى كأثر جانبي إلى تشويش أنظمة الملاحة المدنيّة للسفن العابرة، ممّا زاد من احتمالات التصادم في المضيق المزدحم أصلاً، وصعّب من مهام البحث والإنقاذ.
عجز عن استعادة الثقة
ورغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيته تسيير دوريات حراسة بحرية لمرافقة الناقلات، وتقييم الاستخبارات لتلك الخيارات، إلا أن المخططين العسكريين اعترفوا بصعوبة حماية السفن المدنيّة الضخمة من أسراب الطائرات المسيّرة أو الصواريخ الباليستيّة الساحلية؛ إذ يكفي لصاروخ واحد أن يخترق الدفاعات ويصيب ناقلة نفط حتى تنهار الثقة تماماً، مما يمنح إيران ميزة استراتيجيّة مستمرة. وقد اعترف وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بأن البحرية الأميركية ليست مستعدة بالكامل لتأمين ناقلات النفط عبر المضيق في هذه المرحلة المعقدة.
ويُجمع الاستراتيجيّون والاقتصاديون، بمن فيهم وكالة الطاقة الدولية (IEA) ومؤسسات مثل (S&P Global Energy)، على أن النزاع الحالي يخلق "أكبر انقطاع للإمدادات في تاريخ أسواق النفط".
انهيار التدفقات ومراكمة الخسائر
وفي ظلّ استمرار الحرب لا بدّ من الاضاءة على عدد عبور السفن في المضيق، فقبل نشوب الحرب، كان يشهد عبور نحو 84 سفينة يومياً كمتوسط لعام 2026. ومع تسارع الهجمات، تراجع العدد اليومي إلى أقل من 10 سفن، مسجلا انهياراً غير مسبوق بنسبة تفوق 90%. وقد استجابت كبرى شركات الشحن البحري العالمية، مثل شركة البحر الأبيض المتوسط للشحن (MSC)، و(Maersk)، و(CMA CGM)، و(Hapag-Lloyd)، و(Cosco)، بإصدار أوامر فورية لسفنها بوقف العبور واللجوء إلى مناطق آمنة.
هذا التوقف شبه التام أدّى إلى احتجاز وإزالة كميّات هائلة من النفط الخام والمنتجات المكررة من السوق العالميّة. وتشير التقديرات إلى تجميد ما بين 14.8 إلى 17 مليون برميل يومياً من الإمدادات المتاحة. ولم يقتصر الأمر على النقل، بل أحدثت هذه الأزمة اختناقاً في سلاسل الإنتاج والتخزين؛ فمع امتلاء صهاريج التخزين في دول الخليج نتيجة توقّف التصدير، أُجبرت الدول المنتجة على إجراء تخفيضات قسريّة وحادّة في الإنتاج الفعلي. وتقدر وكالة الطاقة الدوليّة أن الإنتاج قد خُفّض بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً، مع احتمالية إغلاق حقول نفطية كبرى إذا استمر اختناق التخزين.
أما بالنسبة للغاز الطبيعي المُسال، فقد أعلنت منشآت التصدير القطريّة، التي تورد حوالي 22% منه عبر المضيق (بطاقة تبلغ 81 مليون طن سنوياً)، حالة "القوة القاهرة" (Force Majeure) وعجزت عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية. ويمثل هذا ضربة قاصمة لأمن الطاقة في أوروبا التي تعتمد على الغاز القطري كبديل للغاز الروسي، فضلاً عن الاقتصادات الآسيويّة المتعطشة للطاقة النظيفة.
هشاشة طرق الالتفاف
وفي محاولة للتهرب من طوق مضيق هرمز، اتجهت الدول المنتجة والأسواق المستهلكة نحو دراسة خيارات البنية التحتية البديلة. ومع ذلك، تكشف لغة الأرقام عن عجز هيكلي حاد في قدرة هذه البدائل على تعويض المفقود. حيث تقتصر خطوط الأنابيب الفعالة لتجاوز المضيق على بنيتين رئيسيتين في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة:
بجمع طاقة هذين الخطين، يتضح أنّ السعة القصوى المتاحة للالتفاف تتراوح بين 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يومياً فقط، وهو ما يمثل بالكاد ربع أو ثلث حجم التدفق الطبيعي البالغ 20 مليون برميل عبر المضيق. وبعملية حسابيّة بسيطة، يبقى هناك عجز صافٍ لا يمكن تجاوزه يتراوح بين 14.5 و16.5 مليون برميل يومياً. كما أن دولاً نفطية كبرى مثل العراق والكويت وقطر لا تملك أيّ خطوط أنابيب التفافيّة عمليّة، مما يعني أن صادراتها مشلولة بالكامل حتى إشعار آخر.
ولمواجهة هذا العجز، لجأت وكالة الطاقة الدوليّة والولايات المتّحدة إلى تفعيل "المصدّات الاستراتيجيّة"، معلنة عن سحب طوارئ منسق هو الأكبر في التاريخ بمقدار 400 مليون برميل من الاحتياطيات الحكومية (منها 172 مليون برميل أميركي). ومع ذلك، فإن هذه الخطوة ذات تأثير محدود زمنياً؛ فالاحتياطي العام لدول وكالة الطاقة الدوليّة، البالغ 1.2 مليار برميل، يكفي لتغطية هذا النقص الهائل (14.5 - 16.5 مليون برميل/يومياً) لفترة تتراوح بين 73 إلى 83 يوماً فقط. وإذا ما أُضيفت المخزونات الصناعيّة الإلزاميّة، فإن الحد الأقصى للصمود يتراوح بين 109 إلى 124 يوماً. هذا يعني استراتيجياً أن الاقتصاد العالمي غير مجهّز لتحمّل إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز يمتد لستة أشهر أو أكثر على سبيل المثال، وهذا يعني قصورًا في النظر عندما جرّت اسرائيل الولايات المتّحدة الى الحرب دون الأخذ بعين الاعتبار أهميّة مضيق هرمز بالنسبة للتجارة العالمية، وخصوصا لامدادات الطاقة على الصعيد العالمي مع استمرار عدم وجود بديل فعلي لملء الفراغ او المفقود الحاصل.
تكلفة اقتصاديّة ولوجستيّة جنونيّة
وتمتد تداعيات الإغلاق الوظيفي لتضرب في صميم البنية التحتية المالية واللوجستية للتجارة العالميّة، متسببة بخسائر مليارية للدولارات يوميا.
فمبيعات النفط والغاز تشكل العمود الفقري للاقتصادات الخليجيّة. ويقدّر المسؤولون الاقتصاديون في دول الخليج العربي أن الحصار الملاحي يُكبدّهم خسارة يومية في الإيرادات تبلغ حوالي 745 مليون دولار أميركي، ناهيك عن الخسائر غير المباشرة نتيجة تعطل المصافي وتكاليف التخزين الباهظة. وقد انعكست هذه الحالة السلبيّة بقوة على أسواق المال الإقليميّة، حيث تراجعت أسواق الأسهم الخليجيّة بنسب قاسية تراوحت بين 15% و 35% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ووفقاً لـ(Oxford Economics)، فإن دولاً مثل الإمارات وقطر ستشهد عبئاً كبيراً على نموّها بسبب شلل الصادرات، فضلاً عن تضرّر قطاعات حيويّة كالسياحة والطيران.
وقد لعب قطاع التأمين البحري دوراً محورياً في تحقيق الإغلاق الفعلي للمضيق. فالقسط ضد مخاطر الحرب، الذي يُفرض كعلاوة إضافية (Additional Premium) لرحلات عبور المناطق الخطرة، شهد انفجاراً سعرياً غير مسبوق. قبل التصعيد في أواخر شباط الفائت، وكانت هذه العلاوات تتراوح بين 0.15% و 0.25% من القيمة الإجمالية لهيكل السفينة (Hull Value). ومع استمرار الاستهدافات، تضاعفت هذه الأقساط عشر مرات لتبلغ في البداية 1%، ثم قفزت بسرعة لتسجل 7.5% وتتجه نحو 10% للسفن ذات التصنيف عالي المخاطر (وهي وتيرة أعلى بكثير من تلك التي سُجلت خلال "حرب الناقلات" في الثمانينيات والتي بلغت 5%).
ولتوضيح حجم العبء المالي: إذا كانت ناقلة نفط عملاقة (VLCC) تبلغ قيمتها السوقيّة حوالي 138 مليون دولار، وترتبط بمصالح أميركية أو بريطانية (وهي فئة تُعرف في السوق باسم "مغناطيس الصواريخ")، فإن رحلة عبور واحدة لمدة سبعة أيام في مضيق هرمز ستكلف جهة الاستئجار قسطاً إضافياً يتراوح بين 10 ملايين و 14 مليون دولار أميركي. هذا التضخم المفرط في التكاليف دفع بعض شركات التأمين الكبرى لاعتماد استراتيجية "التسعير الطارد" (Go-away pricing) لردع العملاء. بل إن مؤسسات حماية كبرى، مثل (Gard وSkuld وNorth Standard وAmerican Club)، أصدرت إشعارات رسمية بإلغاء تغطية مخاطر الحرب للسفن في المنطقة اعتباراً من 5 آذار الجاري، مما جعل العبور انتحاراً اقتصادياً قبل أن يكون انتحاراً عسكرياً. وتُعد شركات التأمين البحري الأميركية وغيرها التي تمتلك انكشافاً كبيراً في الخليج عرضة لضغوط ائتمانية شديدة حسب وكالة (Fitch Ratings)، حيث تقدر الخسائر المحتملة بأكثر من 5 مليارات دولار في حال تعرض عدّة سفن كبيرة للهلاك الكلي.
وأمام هذا الواقع، لم تجد السفن التجارية بُدّاً من تعديل مساراتها لتجنب الخليج، متخذةً طريق رأس الرجاء الصالح حول القارة الأفريقية. حيث يضيف هذا المسار البديل حوالي 4000 ميل بحري لرحلة السفن، مما يمدّد زمن الرحلة بحوالي 7 إلى 10 أيام، ويرفع بشكل جنوني من استهلاك الوقود والانبعاثات وتكاليف العمالة.
لم تقتصر التداعيات على النقل البحري؛ فقد انعكست الأزمة فوراً على قطاع الشحن الجوي. وقد أدى إغلاق مطارات محوريّة في الخليج، مثل مطار دبي الدولي، وتجنب شركات الطيران للمجال الجوي الإقليمي، إلى تجميد ما يقرب من 20% من سعة الشحن الجوي العالمية. هذا التعطيل أثر بشدة على نقل البضائع الحساسة للوقت كالإلكترونيات، الأدوية، والمعادن الثمينة بين آسيا وأوروبا، ودفع تكلفة الشحن الجوي للارتفاع بنسبة 45%. كما امتدت الأزمة لتهدد الأمن الغذائي العالمي، حيث يعبر المضيق حوالي 13% من تجارة المواد الكيميائية والأسمدة العالميّة، مما يهدد القطاع الزراعي في دول متعددة.
ركود تضخمي يطارد العالم
إن إغلاق مضيق هرمز لم يقتصر تأثيره على ميزانيات الشركات الملاحيّة، بل خلق أمواجاً زلزاليّة طالت المؤشرات الماكرو-اقتصادية العالميّة، مهدداً بنسف استقرار النمو، والتضخم، والسياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى.
وأسفرت الحرب والحصار الملاحي عن صدمة سعريّة فوريّة في أسواق الطاقة. إذ قفزت أسعار خام برنت القياسي متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ بدء الحرب الروسية-الأوكرانية، واقتربت في بعض التداولات من 126 دولاراً للبرميل. وفي حال استمرار الإغلاق، تتوقع (Bloomberg Economics) و(JPMorgan) أن تتجه الأسعار نحو 130 دولاراً وقد تقارب 150 دولاراً، مما يعيد للأذهان الأرقام القياسية لعام 2008. بل إن السيناريوهات الأكثر قتامة تشير إلى احتمالية ملامسة النفط حاجز 200 إلى 300 دولار في حال تم تدمير منشآت نفطيّة إقليميّة كبرى بالكامل. بالموازاة مع ذلك، شهدت العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأوروبي (TTF) ارتفاعاً كارثياً بنسبة 180% عن مستويات ما قبل الصراع، مما يهدّد بتدمير القدرة التنافسيّة للصناعات الأوروبية المعتمدة على الطاقة.
ويعتمد خبراء الاقتصاد على "معامل انتقال فجوة النفط" التابع لصندوق النقد الدولي (IMF)، والذي يُقر بأن كل زيادة مستدامة بنسبة 10% في أسعار النفط تُخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 0.1 إلى 0.2 نقطة مئوية، وتضيف حوالي 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي. بناءً على ذلك، طورت مؤسسات رائدة مثل (Morningstar) نماذج لتقدير الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بناءً على المدة الزمنية للصراع:
يُظهر محاكٍ طورته مؤسسة (Oxford Economics) أنه إذا استقرت أسعار النفط عند متوسط 140 دولاراً للبرميل لمدة شهرين فقط، تزامناً مع تشديد شروط الأسواق المالية وتضرر سلاسل التوريد وتدهور "الحالة النفسية الجماعية" للمستثمرين، فإن ذلك كافٍ لدفع أجزاء كبيرة من الاقتصاد العالمي نحو ركود اقتصادي حقيقي. سيضرب بقوة منطقة اليورو، والمملكة المتحدة، واليابان، بينما سيصل الاقتصاد الأميركي إلى حالة من "الجمود الموقت" ترتفع فيها معدلات البطالة لتقترب البلاد من حافة الركود.
وهذه الموجة التضخمية المستوردة (Imported Inflation) ستضع البنوك المركزية الكبرى، كالاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي، في مأزق تاريخي؛ فبينما يستدعي الركود الاقتصادي تخفيضاً في أسعار الفائدة لتحفيز النمو، سيجبرها التضخم الجامح على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، مما يخنق الاستثمارات ويزيد من تكلفة خدمة الديون، لاسيما في الأسواق الناشئة التي تواجه خطر التخلف عن السداد. إن هذا المزيج السام من ضعف النمو وارتفاع الأسعار يعيد إحياء شبح "الركود التضخمي" (Stagflation) الذي عانى منه العالم خلال فترة الحظر النفطي العربي بين عامي 1973 و1974.
اقتصاد آسيا في عين العاصفة
ويتّسم العبء الاقتصادي لهذه الأزمة بعدم المساواة الجغرافية؛ فالقارة الآسيوية تتحمل النصيب الأكبر من المعاناة، نظراً لأن 84% من النفط و52% من الغاز المسال المار عبر مضيق هرمز يتجه نحو أسواق آسيا، لاسيما أربعة اقتصادات كبرى تستحوذ وحدها على 75% من تدفقات النفط و59% من تدفقات الغاز عبر المضيق.
1-اليابان وكوريا الجنوبية: يواجه هذان البلدان خطراً وجودياً بالمعنى الاقتصادي. فالاولى تستورد 1.6 مليون برميل يومياً عبر المضيق، وتعتمد بنسبة تصل إلى 95% على نفط الشرق الأوسط. وفي ظل غياب موارد طاقة بديلة كافية، فإن ارتفاع أسعار النفط يُضعف الين الياباني بشدة ويفاقم العجز التجاري، دافعاً البلاد نحو تضخم ركودي قاسٍ. وبالمثل، تمرر كوريا الجنوبية 68% من وارداتها النفطية (حوالي 1.7 مليون برميل يومياً) عبر ذات المضيق، مما يضع صناعاتها الثقيلة في مأزق حرج.
2-الهند: يعتمد الاقتصاد الهندي المتسارع على المضيق لتمرير 50% من احتياجاته من النفط الخام (نحو 2.6 مليون برميل يومياً) وما يقرب من 90% من متطلبات الغاز البترولي المسال LPG)). وقد أدى انقطاع الإمدادات إلى أزمة طاقة داخلية دفعت الحكومة لتوجيه المصافي لتعظيم إنتاج غاز الطبخ المحلي والإفراج عن مخزونات الكيروسين، وسط تحذيرات من أن المخزونات الاستراتيجية للبلد قد لا تكفي لأكثر من تسعة أيام. وقد دفع هذا المأزق نيودلهي لتكثيف حراكها الدبلوماسي مع إيران والدول الغربية لمحاولة حماية أمنها الطاقوي.
3-الصين: رغم مساعي بكين الحثيثة لتنويع مصادر طاقتها وتطوير قطاع السيارات الكهربائية، إلا أنها بوصفها أكبر مستورد للنفط في العالم تظل عرضة للصدمة. فهي تستورد نصف نفطها تقريباً من الشرق الأوسط، وتشتري أكثر من 90% من صادرات النفط الإيرانيّة. ورغم تكهنات بأنّ العلاقات الدبلوماسية مع طهران قد تحمي سفنها، أظهرت بيانات التتبع توقف عبور السفن والناقلات الصينيّة وتحصّنها في الخليج خشية التعرض لهجمات عرضيّة أو الغرق في فوضى المضيق، وهو ما يحدّ من قدرة الصين على المناورة أو حماية مصالحها التجاريّة والتأثير في مسار الحرب.
ويبرز هذا التوزيع غير المتكافئ للضرر مفارقة استراتيجية، حيث تتحمل الدول الآسيوية والأوروبية الحليفة للولايات المتحدة الجزء الأكبر من التبعات التضخمية والركودية، مما قد يعقّد مساعي واشنطن لحشد تحالفات دوليّة للاستقرار بعد انتهاء الصراع، ويزيد من حدّة التوترات السياسية داخل التحالف الغربي.
زلازل جيوسياسية ايرانية
لم تقتصر تداعيات الحرب على الساحات المائيّة والاقتصاديّة، بل أحدثت زلزالاً سياسياً في قلب هيكل السلطة في إيران، مما غير مسار العقيدة العسكرية للجمهورية الإسلامية.
فقد شكّل اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في اليوم الأول من الضربات فراغاً مفاجئاً، سارع النظام لملئه لمنع الانهيار. في خطوة تاريخية تكسر التابوهات المتعلقة بالوراثة السياسية منذ ثورة 1979، وانتخب مجلس خبراء القيادة الإيراني " مجتبى خامنئي "، النجل الثاني للمرشد الراحل، خلفاً لوالده. ولم يكن هذا الاختيار مفاجئاً للمراقبين العسكريين؛ فمجتبى يمتلك علاقات عضوية عميقة مع المؤسسة العسكرية والأمنية، وتحديداً مع النواة الصلبة للحرس الثوري الإيراني (IRGC). حيث تشير التقارير الاستخباراتية إلى إدارته الفاعلة لشبكة أمنية تُعرف باسم "حلقة حبيب" (Habib Ring)، التي تشكلت من رفاقه في كتيبة حبيب خلال الحرب الإيرانية-العراقية، والذين يشغلون اليوم أرفع المناصب الأمنية في البلاد.
بهذا التعيين، أحكم الحرس الثوري قبضته المطلقة على مفاصل الدولة، مُنهياً حقبة التوازن بين التيارين البراغماتي والعسكري التي اتسم بها عهد والده. وتجلى هذا التشدد فوراً في تصريحات المرشد الجديد، الذي رفض بشكل قاطع الاستسلام، وأكد أن السيطرة على مضيق هرمز ليست مجرد تكتيك بل "رافعة استراتيجية مستمرة" في المواجهة. كما لوّح في خطابه بتوسيع رقعة الصراع ضمن استراتيجية غير متكافئة لتشمل مسارح جغرافية "لا يمتلك العدو فيها خبرة"، مشدداً على دور محور المقاومة (حزب الله، والميليشيات العراقية، وجماعة الحوثي) في حرب استنزاف طويلة الأمد تدمر اقتصاديات الخصوم.
انعطاف نووي من الفتوى إلى الردع الوجودي
ولعل التداعيات الأكثر رعباً لهذه الحرب تتمثل في احتمال دفع إيران نحو عسكرة برنامجها النووي. وهي طوال عقود، اعتمدت على فتوى دينية أصدرها خامنئي الأب تُحرم تصنيع الأسلحة النووية. لكن مع اغتياله والشعور بالتهديد الوجودي المحدق بالنظام، ترى مصادر متابعة لما يحصل في الحرب الدائرة أن القيادة المدنية والعسكرية الجديدة، بقيادة مجتبى خامنئي، قد تتخلى عن هذه التحفظات الأيديولوجية لصالح التفكير البراغماتي الوجودي الذي يرى في القنبلة النووية الضمانة الوحيدة للردع.
وقد استهدفت الضربات الإسرائيلية والأميركية المكثفة بنى تحتية نوويّة رئيسيّة لتقويض هذا المسار. شملت الغارات تدمير موقع (Minzadehei) السرّي لتطوير مكونات الأسلحة، واستهداف مداخل منشأة التخصيب في "نطنز"، ومرافق في "أصفهان"، بالإضافة إلى موقع مرتبط بالأبحاث العسكرية Lavisan 2/Mojdeh)) ورغم هذه الضربات، أكدت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) ومصادر استخباراتيّة أميركية أن إيران لا تزال تحتفظ بمخزونات هامة من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% مخبّأة في مواقع عميقة محصنة (مثل مجمّع أصفهان)، مما يعني نظرياً بقاء القدرة التقنيّة لإيران على الوصول إلى نسبة 90% اللازمة لصناعة السلاح النووي (Weapons-grade) إذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك.
ورغم تباين الأهداف الاستراتيجية نجد أن آفاق الدبلوماسية الخلفيّة وراء واجهة التحالف العسكري الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في تنفيذ الضربات (Operation Epic Fury / Roaring Lion)، يُبرز الصدع الاستراتيجي بشكل واضح فيما يخص "الحالة النهائية" المطلوبة للصراع (End-State).
فالرؤى تتناقض بين واشنطن وتل أبيب:
المقاربة الاستراتيجية لإسرائيل تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لا تتكرر لتغيير هيكل القوة في الشرق الأوسط بشكل جذري. ولا يقتصر الهدف على تقليص القدرات الإيرانية، بل يتعداه إلى سعي حثيث لـ"إسقاط النظام" وتفكيك محور المقاومة بالكامل. علاوة على ذلك، ترى تل أبيب ضرورة ملحة لتدمير البنية التحتية لإنتاج الصواريخ الباليستية لمنع الجمهورية الاسلامية من الوصول إلى ترسانة ضخمة (تُقدر بحوالي 10,000 صاروخ) قادرة على إغراق وتجاوز منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.
المقاربة الاستراتيجية للولايات المتحدة حيث اتسمت إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتذبذب والتناقض. فبينما طالب في البداية بـ"الاستسلام غير المشروط" وهدّد بعواقب "لم يسبق لها مثيل" إذا استمر تلغيم المضيق وإغلاقه، أبدى في تصريحات لاحقة تراجعاً واضحاً، معرباً عن رغبته في إنهاء الحرب "قريباً جداً" وتقليص العمليّات بمجرّد نفاد الأهداف العسكرية الرئيسية. والدافع الرئيسي لهذا التراجع الملحوظ هو الكارثة الاقتصاديّة العالميّة من الادارة الاميركيّة والّتي أصبحت تشعر بأنّها تورّطت في حرب غير محسوبة النتائج إنّما بدافع الحقد والضغينة الاسرائيلية، وارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة (التي قفزت من 2.98 دولار إلى 3.41 دولار للغالون خلال أسبوع واحد)، فضلاً عن معارضة شريحة واسعة من الرأي العام الأميركي للحرب. ويكتفي البنتاغون بتحقيق هدف "التدمير الوظيفي" للمجمع الصناعي الإيراني وتحييد القدرات البحريّة، دون الرغبة في الانجرار لحرب برية أو احتلال طويل الأمد.
آفاق التفاوض
أمام هذا الاستعصاء، حيث تعجز القوة العسكرية التقليدية عن فتح المضيق بالقوة بسبب التكتيكات الإيرانية اللامركزية وتكلفة التأمين الباهظة، برزت الحاجة الماسة للدبلوماسية لإنقاذ الاقتصاد العالمي. لعبت سلطنة عُمان وسويسرا أدواراً تقليدية محورية كقنوات تواصل خلفية بين طهران وواشنطن. وتقترح مصادر رفيعة المستوى على ضرورة تفعيل قناة عُمان للتفاوض على اتفاق مبدئي يتضمن "هدنة إنسانيّة" مقابل تعليق فوري للعمليات الإيرانيّة في مضيق هرمز، كخطوة لخفض التصعيد وحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف قبل الوصول لنقطة اللاعودة الاقتصاديّة والنوويّة. ومع ذلك، فإن إصرار الإدارة الأميركية على الشروط القاسية، وتصلّب القيادة الإيرانية الجديدة التي تربط فتح المضيق بوقف الهجمات الكلّية، يجعل من التوصل لتسوية سريعة أمراً محفوفاً بالمخاطر وبالغة التعقيد.
في خلاصة التحليل والاستنتاجات الاستراتيجية، تُمثل أزمة مضيق هرمز اختباراً استثنائياً و"صدمة نظامية" (Systemic Shock) تفضح الهشاشة العميقة للاقتصاد العالمي المعولم، والذي أثبت ارتهانه المطلق لنقاط اختناق جغرافيّة محدودة لا تملك أمامها الجيوش التقليدية حلولاً سحرية، وتقف عاجزة أمام الطبيعة، وقد برهنت مجريات هذه الحرب على أن التفوق الجوّي والبحري الكاسح للولايات المتحدة وإسرائيل قادر بالفعل على تدمير المجمّعات الصناعية والبنية التحتية والمطارات، لكنه يقف مشلولاً وعاجزاً عن استعادة "الأمن النفسي" والثقة التجارية الضرورية لشركات الشحن وأندية التأمين لإبقاء شريان الاقتصاد مفتوحاً في ظل التهديدات اللاتماثلية للزوارق المسيرة والصواريخ الساحلية.
وفي ضوء نظرية الاستقرار المهيمن (Hegemonic Stability Theory) للعالم روبرت جيلبين، يمكن النظر إلى هذه الأزمة ليس فقط كحدث عسكري تكتيكي، بل كاختبار هيكلي لقدرة القيادة الأميركية على الحفاظ على النظام الاقتصادي الليبرالي الذي أُرسيت قواعده بعد عام 1945. وإن الفشل في تأمين مسار بحري دولي رئيسي، وتكبد الاقتصاد العالمي خسائر قد تصل إلى 2.2 تريليون دولار مع انزلاق الدول الأوروبية والآسيوية في أتون ركود تضخمي مدمر، قد يسرّع وتيرة التحول نحو نظام عالمي متعدّد الأقطاب تلجأ فيه الدول لحماية إمداداتها بوسائلها الخاصة بعيداً عن المظلة الأمنية الأميركية.
وفي الختام، يمكن القول إن مسار هذه الحرب وحلّ عقدة مضيق هرمز سيحدّدان ملامح العقد القادم؛ فإما أن تنجح الدبلوماسية الخلفيّة في فرض تسوية تنقذ الأسواق العالميّة وتمنع اندفاعاً نووياً إيرانياً يقلب موازين الردع، أو ينحدر العالم نحو حقبة ممتدّة من الانكماش الاقتصادي، وارتفاع تكلفة الحياة، والفوضى الجيوسياسيّة التي ستقضي على الأخضر واليابس.
المصدر:
النشرة