عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاسبوع الفائت استضافة محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان في باريس أو قبرص.
ولاحقاً، حسم
وزير الخارجية
الإسرائيلية جدعون ساعر الموقف بالقول ظهر امس: «إن بلاده لا تنوي إجراء محادثات مباشرة مع الحكومة
اللبنانية في الأيام المقبلة.ونتوقع من الحكومة اللبنانية اتخاذ خطوات جادة لمنع
حزب الله من إطلاق النار على إسرائيل».
وكتبت" الاخبار": سارع الرئيس ماكرون إلى طرح مبادرة لإدارة مفاوضات مباشرة بين
لبنان وإسرائيل. وهو لم يكن بحاجة إلى سماع موافقة من رئيسَي الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، إذ يعرف أنهما يدعمان هذه الفكرة منذ وقت طويل. إلا أن هذا الطرح يحتاج إلى صيغة «وطنية شاملة» لوفد لبناني رسمي، ولذلك بذل جهداً لإقناع رئيس مجلس النواب نبيه بري بالموافقة على مشاركة شيعي في الوفد يكون مقبولاً منه ومن حزب الله.
غير أنّ ماكرون فوجئ بأن دولة صغيرة كقبرص سارعت إلى التقدّم باقتراح مشابه. لكنّ الجزيرة التي تخشى انتقال الحرب إلى أراضيها بدت أكثر تواضعاً، إذ أعلنت استعدادها لاستضافة أي مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان. فيما اعتقد ماكرون أنه قادر على ما هو أكثر.
فباريس لا تريد تكرار تجربة المفاوضات
السورية - الإسرائيلية، حين اقتصر دورها على تقديم «خدمات فندقية» لاستضافة الوفدين. وحتى عندما حاول ماكرون الدخول إلى قاعة المفاوضات، جاءه الرد من المبعوث الأميركي توم برّاك بأن هناك عواصم أخرى قادرة على تقديم خدمات الاستضافة بكفاءة أكبر.
المشروع الذي جرى التداول به في باريس كان حصيلة نقاش بين ماكرون وكل من عون وسلام وموافقتهما على حل شامل يبدأ بإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، ووضع آلية تضمن وقفاً لإطلاق النار، على أن تترافق مع خطة عملانية تتبنّاها الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله في كل أنحاء لبنان، ولو تطلّب الأمر استخدام القوة. واعتبر ماكرون أنّ هذه العناوين كفيلة بجرّ إسرائيل إلى المفاوضات سريعاً. غير أنّه صُدم بردّين متتاليين من الجانبين الأميركي والإسرائيلي. الأول حين أُبلغ بأن الوقت غير مناسب حالياً لفتح ملف لبنان، والثاني عندما قيل له إن الجهات التي نقلت إليه هذه الأفكار لا تملك التفويض ولا القدرة على تنفيذ أي التزام على الأرض.
في موازاة ذلك، كان عون يحاول فتح قناة مع
الأميركيين . فطلب من مستشاره التواصل سريعاً مع رجل الأعمال جمال دانيال، وهو صديق لبرّاك، طالباً منه التدخل. تلقّى براك الرسالة، لكنه لم يقدّم أي التزام. وعاد لاحقاً ليبلّغ من يهمّهم الأمر بأن البيت الأبيض لم يتخذ بعد أي قرار بشأن لبنان، وأن النقاش لا يزال مفتوحاً حول مقترحات قابلة للتطبيق.
فهم عون الأمر وكأنّ براك عاد ليتولّى ملف لبنان. غير أنّ الأخير بعث لاحقاً برسالة أوضح فيها أنّ السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى لا يزال المسؤول عن متابعة هذا الملف، وأن المداولات داخل البيت الأبيض لم تصل إلى خلاصات جديدة. ومع ذلك، لفت براك انتباه صديقه اللبناني - السوري إلى نقطة أساسية: من يريد التفاوض على حل جدّي، يجب أن يكون قادراً على فرض وقائع على الأرض. ما لم يقله برّاك علناً، ردّده صديقه بصيغة مختلفة: لا يبدو أن الأميركيين يثقون بقدرة عون أو سلام على القيام بخطوات حاسمة… فماذا عن موقف بري؟
في هذه الأثناء، تسرّبت من إسرائيل معلومات تفيد بأن بنيامين نتنياهو استدعى الوزير السابق رون دريمر لتولّي إدارة ملف لبنان. وهو تطوّر لا يبدو مبشّراً لباريس، إذ إن دريمر لا يقيم وزناً كبيراً لفرنسا أصلاً، وهو خبير بالجانب الأميركي، وتكليفه لا يعني بالضرورة أن إسرائيل قرّرت الدخول في مفاوضات حتى الآن.
ماكرون، الذي احتار في كيفية الوصول إلى قرار من ترامب، وجد نفسه مضطراً إلى بذل جهود خاصة لتحسين علاقته بالسفير الأميركي في باريس تشارلز كوشنر، والد صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، رغم أن هذا السفير لا يتردّد في انتقاد ماكرون نفسه وشتمه أمام إعلاميين فرنسيين، ويبادر إلى التواصل مع مسؤولين بارزين في الحكومة الفرنسية من دون المرور بوزارة الخارجية التي اضطرت إلى توجيه رسالة له تطلب منه التزام الأعراف التي تنظّم عمل السفراء.
ومع ذلك، وجد ماكرون نفسه مضطراً إلى التواصل معه، أملاً في إقناع ابنه جاريد بالتحرك لدى ترامب لإقناعه بتفويض فرنسا إدارة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، مع تعهّد قاطع بأن باريس ستقف إلى جانب الموقف الأميركي -
الإسرائيلي ، وستواصل إدانتها لـحزب الله، بل إنها تؤيّد حظره بالكامل في لبنان. وذهب الفرنسيون حدّ إقرارهم بأن باريس لعبت دوراً أساسياً في إقناع سلام بالسير في خطة حظر نشاط المقاومة، رغم أنه لا يحتاج أساساً إلى تشجيع لاتخاذ مواقف معادية للمقاومة في لبنان وفلسطين والمنطقة.
في هذه الأثناء، كان ماكرون يبلغ المسؤولين في
بيروت بأن مساعيه تتقدّم، طالباً الإسراع في تشكيل الوفد المفاوض. غير أنّ هذه الثقة لم تكن تستند إلى أساس. فبمجرّد أن أرسل مقترحه إلى كوشنر الابن، تولّى الأخير تسريبه إلى الصحافة الأميركية والإسرائيلية، مع إضافة ملاحظة مفادها أنه لا يوجد أي مؤشّر إلى استعداد إسرائيل للدخول في مفاوضات في الوقت الراهن.
وهو ما أكّده أيضاً دبلوماسي أميركي لوسيط عربي يوم الجمعة، مشيراً إلى أنه تواصل شخصياً مع مسؤولين في إسرائيل، فأجابوه بأن تل أبيب لا ترى موجباً لأي تفاوض الآن. وعندما سُئل عن السبب، أجاب الدبلوماسي الأميركي بوضوح: الإسرائيليون يستعدّون لاجتياح بري، ويعتقدون أنهم بعد ذلك سيفرضون شروطهم على حزب الله ولبنان.
ولم تمضِ ساعات قليلة على تسريب المبادرة الفرنسية التي تضمّنت إضافات على المبادرة التي أرسلها عون بالتشاور مع رئيس الحكومة، حتى خرجت تسريبات من واشنطن بأن الوقت ليس وقت تفاوض، وأن الجميع يركّز حالياً على الميدان.
وكتب ميشال نصر في" الديار": تشير مصادر ديبلوماسية الى ان بيروت ارتكبت خطأ استراتيجيا بتكليفها الرئيس ماكرون ادارة معركتها السياسية، والتفاوض عنها دوليا، رغم معرفتها الكاملة بانه شخصية "غير مرحب بها"، سواء في واشنطن او "تل ابيب"، وكذلك من مبادراته التي كانت دوما ترفض، ولم يكن آخرها نسف آلية الميكانيزم تحت عنوان اخراج فرنسا منها.
وتقول المصادر ان جوهر المبادرات التي قدمتها "الام الحنون" خلال الايام الاخيرة، لم يختلف عما كانت عرضته طوال الاشهر السابقة، حتى انها عرضت على "تل ابيب" بعيد سقوط وقف النار بيومين مبادرة من بندين: الاول عودة السلطة اللبنانية الى تطبيق خطة حصر السلاح بوتيرة اسرع، تحت اشراف ومراقبة ومساعدة باريس. والثاني التزام فرنسا بتجهيز وتسليح واصلاح اوضاع المؤسسة العسكرية خلال فترة وجيزة بتمويل سعودي مقدمة كحسن نية، دفعة مساعدات فورية عبارة عن آليات مصفحة، غير ان الرد الاسرائيلي جاء سريعا بالرفض، دون حتى فتح باب النقاش.
وتابعت المصادر ان ما نشره موقع "اكسيوس" لم يكن سوى افكار، لم يرق الى مستوى المبادرة، استوحته باريس من المبادرة التي اطلقها رئيس الجمهورية واساسها: حوار سياسي مباشر مع "اسرائيل"، مضيفة اليها فكرة الاعتراف اللبناني بدولة اسرائيل، "كطعم" لجر "تل ابيب" الى طاولة التفاوض، تزامنا مع خطوات امنية وعسكرية تتخذها السلطة اللبنانية، غير ان هذا الطرح اصطدم بتصلب اميركي - اسرائيلي مشترك، اعادته المصادر الى الغياب الكامل للثقة بالرئاسات والحكومة اللبنانية، على ما ابلغه الرئيس دونالد ترامب للرئيس ايمانويل ماكرون خلال اتصال مطول بينهما.
وكشفت المصادر ان الافكار الفرنسية، لم تحظ حتى بموافقة اطراف "خماسية باريس" التي رفضت تبنيها، فضلا عن وجود خلافات اوروبية حولها، واتهامات لباريس بالتصرف الاحادي من خارج الاطر الدستورية للاتحاد، والالتزام بما ليس من صلاحياتها، خصوصا ان اكثر من دولة اوروبية رفضت السير بخيارات ترفضها واشنطن.
وفي هذا الاطار، فندت المصادر الرفض الاسرائيلي، متوقفة عند النقاط التالية:
- يبدأ المفاوضات ديبلوماسيون كبار قبل أن تنتقل إلى المستوى السياسي، وهو ما ترفضه "تل ابيب" تماما، اذ تصر على ان يكون على مستوى وزاري.
- اصرار فرنسا على مسألتي القرار ١٧٠١ واليونيفيل، وهو ما تعتبره "تل ابيب" انه بات من الماضي، فبالنسبة للمستويين العسكري والسياسي تغير موازين القوى، وقواعد الاشتباك يفترضان الذهاب باتجاه قرارات وآليات جديدة، لا اعادة احياء تسويات قديمة سقطت مع انكسار علة وجودها.
- ربط ترسيم الحدود بين لبنان و"اسرائيل" بترسيمها بين بيروت ودمشق، وخلال مهلة قصيرة، وهو ما تم الاتفاق عليه في الاتصال الثلاثي بين ماكرون - الشرع - عون، وهو ما عقد الحلول، اذ اعتبرت "تل ابيب" ان في ذلك مسا بمصالح امنها القومي، ويشكل نقطة ضعف في مفاوضاتها الامنية مع سوريا، تحديدا مزارع شبعا والجولان وجبل الشيخ.
- رغبة فرنسا برعاية هذه المفاوضات سواء في باريس او قبرص، وهو ما ترفضه "اسرائيل" بشكل كامل غير قابل للنقاش، معتبرة باريس جهة غير صالحة لرعاية هذا الحوار، او طرفا صالحا لقيادة وساطة.
واعتبرت المصادر ان رئيس الوزراء الاسرائيلي، بتعيينه وزير الشؤون الاستراتيجية السابق رون ديرمر، كمسؤول عن الملف والمفاوض، ربط بدوره بين الملفين اللبناني والسوري، هذا فضلا عن شخصية ديرمر الصعبة والمركبة، والتي تستلزم تكليف وفد مختلف تماما عما تعده بيروت، سواء لجهة الاشخاص او الصلاحيات.
وختمت المصادر، بان الجبهة التي نشأت من السلطة اللبنانية، الام الحنون، وبعض الشخصيات الاميركية، فشلت في تحقيق اي خرق، بل على العكس لمست تشددا اميركيا اكبر، خصوصا مع محاولة بعض الجهات الاميركية العمل على "فرض" نفسها كمفاوض في الملف، لحسابات داخلية و"مصلحية"، وهو ما دفع اللبنانيون ثمنه في النهاية، حربا مستمرة لا زالت وفقا للعالمين في مرحلة "التحمية".