لم يعد ما يجري في لبنان قابلًا للقراءة ضمن معادلة "ردّ وردّ مضاد" بالمعنى التقليدي، ولا حتى ضمن جولات محسوبة يمكن احتواؤها تحت سقف قواعد اشتباك معروفة. فمنذ اللحظة التي أعقبت إعلان " حزب الله " عملية "العصف المأكول"، التي يمكن اعتبارها أول ردّ واسع ووازن منذ بدء العدوان، بدا واضحًا أنّ إسرائيل قررت الانتقال إلى مستوى آخر من التصعيد، لا يقتصر على تكثيف الغارات أو توسيع بنك الأهداف، بل يتجاوز ذلك إلى إسقاط ما تبقّى من الخطوط الحمراء.
هكذا، كانت عملية نوعية واحدة من "حزب الله" خلال ما يزيد على عشرة أيام من العدوان كافية لكي ينقلب المشهد. لم تكتفِ إسرائيل بالردّ العسكري المباشر، بل سارعت إلى إدخال بيروت نفسها في قلب النار، من المجزرة التي ارتكبتها في الرملة البيضاء ، إلى إنذارات الإخلاء في الباشورة وزقاق البلاط، بالتوازي مع استمرارها في سياسة تحويل الضاحية الجنوبية إلى "أرض محروقة"كاملة.
وبذلك، لم يعد الأمر يتصل فقط بمواجهة مع "حزب الله"، بل بمسار تصعيدي يطال البيئة الحاضنة، والعاصمة، والدولة، والمجتمع معًا. وبكلام أوضح، لا تبدو إسرائيل في وارد الاكتفاء بإيلام "حزب الله" أو منعه من تثبيت معادلة ردع متبادل، بل تسعى إلى فرض معادلة أشمل: كلّ ردّ من الحزب سيُواجَه بتوسيع الحرب على لبنان نفسه، وعلى بيروت تحديدًا، بحيث تتحول كلفة الاشتباك من كلفة عسكرية إلى كلفة وطنية واجتماعية وسياسية عامة.
وبناءً عليه، ماذا تريد من هذا التصعيد، ولماذا اختارت بيروت الآن؟
أكثر من تغيير لقواعد اللعبة
على امتداد الأيام الأولى من العدوان، تصرفت إسرائيل كما لو أنّها وحدها من يملك زمام المبادرة. صحيح أنّها كانت تتلقّى رشقات صاروخية من الحزب و إيران ، إلا أنّها بدت محدودة الأثر قياسًا بحجم الهجمات التي كانت تنفذها. لكنّ شيئًا تبدّل ليل الأربعاء، حين جاء ردّ "حزب الله" مختلفًا من حيث الحجم والدلالة، مع رشقة تجاوزت المئة صاروخ، وبدت بمثابة رسالة مباشرة تسقط الرواية الإسرائيلية عن استنزاف القدرة الصاروخية للحزب.
هذا التحول لم تتعامل معه إسرائيل بوصفه حدثًا عابرًا، بل كذريعة للانتقال إلى مرحلة أشدّ قسوة. فسرعان ما ارتفعت وتيرة التهديدات الإسرائيلية، على خط رفع مستوى القص، ولكن أيضًا توسيع بنك الأهداف. ولعلّ ما جرى في الرملة البيضاء يشكّل الترجمة الأوضح لهذه المقاربة، إذ طال القصف بيئة مدنية مفتوحة، بما يوحي بأنّ المطلوب ليس فقط الردّ على الصواريخ، بل إنتاج أثر سياسي ونفسي أوسع من الفعل العسكري نفسه.
من هنا، يمكن القول إنّ إسرائيل لم تكتفِ بتعديل قواعد اللعبة، بل ذهبت إلى ما هو أبعد: محاولة فرض معادلة جديدة قوامها أنّ أيّ محاولة من "حزب الله" لاستعادة زمام المبادرة ستقابَل بعقاب مضاعف، ليس على مستوى الحزب وحده، بل على مستوى الحاضنة والمجال اللبناني الأوسع. وهذا ما يمنح التصعيد بعدًا استراتيجيًا، لا مجرد طابع انتقامي موضعي، لمنع تثبيت أيّ انطباع لدى الحزب أو جمهوره بأنّه لا يزال قادرًا على فرض إيقاعه أو الاحتفاظ بهامش مناورة.
الرملة البيضاء وما بعدها
إزاء ما تقدّم، يمكن الحديث عن تحوّل فعلي طرأ على الأرض بعد عملية "حزب الله" وردّ إسرائيل، تحوّل يبدّل طبيعة الصراع من مواجهة بين طرفين مسلحين إلى عملية إنهاك مفتوحة لبلد كامل. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة استهداف الرملة البيضاء تحديدًا، من دون سابق إنذار، سوى بوصفه رسالة ضاغطة إلى جمهور "حزب الله" وبيئته الحاضنة، الذين اضطروا إلى النزوح من الجنوب، فإذا بالنار الإسرائيلية تلاحقهم من جديد.
بهذا المعنى، تمثّل مجزرة الرملة البيضاء نقطة تحوّل جوهرية في الاستراتيجية الإسرائيلية. فاختيار هذه المنطقة تحديدًا، بما لها من رمزية اجتماعية وجغرافية، لم يكن عبثيًا، ولا سيما أنّها تشكّل، حتى في فترات الحرب، متنفسًا أخيرًا لبيروت المكتظّة، كما أنّها استقبلت آلاف النازحين الباحثين عن "أمان" مفترض بعيدًا عن الضاحية. ولعلّ الرسالة الأساسية هنا هي تعميم الإحساس بانعدام الأمان، وتكريس فكرة أنّ لا حصانة لأحد.
وقد يكون أخطر ما في مجزرة الرملة البيضاء ليس فقط استهداف المدنيين، وهو سلوك إسرائيلي مألوف، ولكن ما ينطوي عليه هذا السلوك من وظيفة اجتماعية وسياسية تتجاوز الحصيلة المباشرة. فإسرائيل تراهن، من خلال ضرب مناطق تستقبل نازحين أو يُفترض أنّها آمنة، على خلق توتر داخلي بين الناس، وعلى تحويل التضامن مع النازحين إلى عبء أمني، بما يزرع الشقاق ويضغط على البيئة الحاضنة من الداخل، وهذا جزء أساسي من منطق الاستنزاف.
استدراج "حزب الله" أم تطويق لبنان؟
مع هذا التحوّل على الأرض، تُطرح الكثير من التساؤلات والتكهنات حول أفق هذه الحرب وما تريده إسرائيل عمليًا. هنا، تبرز فرضيتان أساسيتان.
الأولى أنّها تريد استدراج "حزب الله" إلى ردود أكبر، بما يمنحها مبررًا لتوسيع الحرب أكثر، ورفع مستوى التدمير، وربما الانتقال إلى مراحل أشدّ خطورة تحت عناوين جاهزة مثل "إزالة التهديد" أو "منع تعاظم الخطر". وهذا الاحتمال يبدو منطقيًا في ضوء الخطاب الإسرائيلي التصعيدي، والإيحاء المستمر بأنّ المعركة في لبنان مفتوحة على مزيد من التوسع.
أما الفرضية الثانية، وهي ربما الأعمق، فتقول إنّ إسرائيل لا تحتاج أصلًا إلى ردّ أكبر من الحزب لكي توسّع حربها، لأنها تعمل منذ الآن على بناء معادلة تطويق شامل للبنان،بمعنى أنّ كلّ ردّ من "حزب الله" يتحول إلى مدخل لتوسيع النار، لكنّ الهدف النهائي لا يقتصر على استنزاف الحزب، بل يشمل استنزاف المجتمع والدولة والبنية المدنية في آن واحد.
في هذه الحال، يصبح الحزب عالقًا بين خيارين كلاهما مرّ: إمّا الذهاب إلى ردّ أكبر يفتح الباب أمام مزيد من الدمار، وإمّا التراجع النسبي بما يعرّضه لضغط داخلي من بيئته وقاعدته. وهذه، في جوهرها، معادلة إنهاك كاملة، لأنّها تسحب من الحزب هامش المبادرة، وتدفعه إلى القتال داخل ملعب صُمّمت قواعده سلفًا لمصلحة إسرائيل.
الدولة اللبنانية تحت الاختبار الأقسى
في ظلّ هذا الغليان، تبدو الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الرسمية، في الزاوية الأكثر حرجًا منذ بداية الحرب. فإسرائيل تدرك أنّ ضرب بيروت أو التلويح المستمر بضربها لا يحرج الحزب فقط، بل يحرج الدولة قبل أيّ طرف آخر، لأنّه يكشف عجزها عن الحماية، وعجزها عن الردع، وعجزها حتى عن إنتاج مسار سياسي فعّال يوقف الانزلاق.
وربما يكون هذا هو بيت القصيد، فإسرائيل لا تستخدم النار من أجل الحرب فحسب، بل من أجل فرض وقائع سياسية جديدة أيضًا. هي تريد أن يتحول الدمار إلى أداة تفاوض، وأن يصبح الضغط اليومي على الناس والدولة مدخلًا لإعادة طرح الأسئلة الكبرى في لبنان: من يملك قرار الحرب؟ من يدفع الثمن؟ وما هو الموقع الذي ستُدفع إليه الدولة تحت وطأة هذا الخراب؟
بهذا المعنى، لا تقتصر المسألة على تدمير بنى، أو اغتيال أفراد، أو توسيع بنك أهداف، بل تتصل بمحاولة إعادة تعريف دور الدولة نفسها. أي دفعها إلى أحد مسارين: إمّا مزيد من الانكفاء والعجز، بما يكرّس هشاشتها داخليًا وخارجيًا، وإمّا الانخراط تحت الضغط في مسار سياسي عنوانه احتواء "حزب الله" أو تحميله علنًا مسؤولية الخراب. ولهذا، لا تبدو الغارات والإنذارات والمجازر أحداثًا منفصلة، بل أدوات تفاوض بالنار.
بيروت ساحة ضغط
في المحصلة، لا يبدو أنّ إسرائيل تريد من بيروت هدفًا عسكريًا مباشرًا فقط، بل وظيفة كاملة. هي تريدها ساحة ضغط نفسي وسياسي واجتماعي، وعاصمة تعيش على إيقاع الإنذار، بحيث يشعر اللبنانيون أنّ الحرب لم تعد على الأطراف، بل في قلب حياتهم اليومية.
ولذلك، لا ينبغي قراءة التصعيد الأخير على أنّه ردّ تقليدي على ردّ "حزب الله"، بل بوصفه محاولة لفرض معادلة استنزاف شامل: استنزاف الحزب في الميدان، واستنزاف بيئته في حياتها اليومية، واستنزاف الدولة في شرعيتها ووظيفتها.
لهذا تحديدًا، تبدو بيروت اليوم أكثر من ساحة نار. إنّها ساحة اختبار لحدود التصعيد الإسرائيلي، ولسقف قدرة "حزب الله" على إدارة المواجهة من دون السقوط في الفخّ الكامل، ولقدرة الدولة اللبنانية على ألّا تتحول إلى مجرّد شاهد على إعادة رسم البلد تحت النار.
وربما تكون أيضًا ساحة اختبار للمجتمع الدولي، الذي يساهم صمته، أو عجزه، في تشجيع إسرائيل على الذهاب أبعد في كسر السقوف. فإذا مرّ استهداف قلب بيروت من دون ردع حقيقي، فإنّ ذلك لا يعني فقط تكريس استباحة العاصمة اللبنانية، بل تثبيت سابقة جديدة في المنطقة، عنوانها أنّ توسيع الحرب إلى قلب المدن الكبرى بات خيارًا مشروعًا متى أرادت إسرائيل.
المصدر:
النشرة