عندما قرر حزب الله الإلتحاق بالحرب الإسرائيلية المفتوحة ضد لبنان منذ تشرين الثاني العام 2024، استند إلى مشهد أوسع كانت فيه المنطقة قد دخلت في مواجهة كبيرة،وكانت إيران حاضرة فيها بشكل مباشر، لذلك جاء تحركالحزب على أساس قراءة مفادها أن لحظة الحرب الإقليميةقد تكون الفرصة الأخيرة لإعادة تثبيت معادلات الردع معإسرائيل، ومحاولة انتزاع مكاسب سياسية أو ميدانيةأثبتت الفترة الماضية أنها لن تكون سهلة بظل "الدبلوماسية اللبنانية".
بهذا المعنى، لم يكن فتح الجبهة الجنوبية تضامناعسكريا أو دعما لجبهة أخرى، بل قراراً مرتبطاً بتقديراستراتيجي يعتبر أن نتائج الحرب في المنطقة ستنعكسمباشرة على موقع المقاومة في لبنان وعلى موقع إيران فيميزان القوى الإقليمي. ومن هنا يصبح الربط بين ما يجريفي لبنان وما يجري في إيران وبقية ساحات المنطقة مسألةجوهرية لفهم طبيعة هذه الحرب وحدودها.
"من هذا المنطلق تحديداً يمكن فهم التوقيت"، تقول مصادر مقربة من فريق حزب الله، مشيرة إلى أنه في لبنان يدركأن التحولات الكبرى في المنطقة تحسم في لحظاتالحروب الشاملة، وإذا كانت المواجهة الكبرى قد فُتحتبالفعل، فإن البقاء خارجها يعني عملياً القبول بنتائجها مندون قدرة على التأثير فيها، وسقوط أي فرصة لتبديل الواقع السلبي الذي يسيطر على الجنوب جغرافيا ولبنان سياسيا وأمنياً. لذلك بدا التحرك كأنه محاولة لاستثمار لحظةتاريخية، ستكون نتيجتها إما استعادة بعض قواعد الردعالتي تآكلت خلال السنوات الماضية، ودفع مسار التحريرووقف العدوان، وإما العكس تماما بحال الهزيمة.
ما سبق يدلل على أهمية ربط لبنان بالحرب في المنطقة، على أن يشمله الحلّ لاحقاً أيضاً، ولهذا تحرص إسرائيلمنذ البداية على تسويق فكرة الفصل بين الساحتين الإيرانية واللبنانية، بحيث تحاول احتواء كل ساحة على حدةومنع تشكّل معادلة حرب إقليمية متكاملة، لأن إسرائيلتدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه هو تزامن عدة جبهاتمرتبطة بمركز قرار واحد أو برؤية استراتيجية واحدة. من هنا فالسؤال الأبرز هو "هل يمكن الفصل فعلاً"؟.
نظرياً، قد يبدو الأمر ممكناً عبر تفاهمات أو ضغوط دوليةتُفرض على كل جبهة بشكل منفصل. لكن عملياً، فإن بنية"محور المقاومة" قامت منذ سنوات على فكرة الترابطالاستراتيجي بين ساحاته، لذلك فإن أي ضربة كبرىلإحدى الحلقات قد تؤدي الى كسر السلسلة كلها وهو ما تمكنت إسرائيل من الاقتراب من تحقيقه خلال جولات الحروب السابقة، لهذا، ترى المصادر، انه يصبح منمصلحة الحزب في لبنان الإبقاء على الربط بين الجبهتين، أقله بالنتائج، فالقوة الحقيقية لهذا المحور تكمن في قدرتهعلى توسيع حرب المنطقة، وهذه المعادلة بالذات هي مايمنح لبنان، رغم صغر مساحته وضعف دولته، وزناًاستراتيجياً في هذه المعركة.
استنادا لما سبق يصبح نجاح إسرائيل في فرض فصلفعلي بين الجبهتين، وموافقة إيران على هذا الفصل، ضربة قاسية جدا للحزب في لبنان، ولكن بحسب المصادر فإن الأخير يعمل ما بوسعه للدفاع عن لبنان انطلاقا من واجبه الوطني والديني والأخلاقي، وهو اختار التوقيت بناء لمصلحته، وسيخوض المواجهة حتى النهاية، بغض النظر عن موقف إيران أو غيرها، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه ليس من السهل على إيران أن تقبل بالفصل الكامل، سواء لأسباب دينية عقائدية، أو لأسباب تتعلق بمصلحة إيران نفسها.
المصدر:
النشرة