في ذروة الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان ، والتي دخلت جولتها الأكثر دموية منذ شباط الماضي، يواجه البلد اختبارًا وجوديًا على أكثر من مستوى، أولاً على المستوى الأمني، من أجل تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، الذي أصبح واضحًا أنّه مطلوب دوليًا، بدليل غياب مؤشرات لأيّ مبادرة من شأنها احتواء الصراع بالحدّ الأدنى، وثانيًا على المستوى السياسي، من أجل حفظ التماسك الوطني، والعبور بأمان من هذه الحرب إلى ما سيليها.
بهذا المعنى، قد لا يكون واقعيًا حصر قرار مجلس النواب التمديد لنفسه لسنتين إضافيتين دفعة واحدة، بالضرورات التي فرضتها الظروف الأمنية، إذ أعاد فورًا النقاش حول مشروعية المؤسسات، وبذلك، بدا أشبه بإشارة إلى أنّ النظام اللبناني دخل مرحلة جديدة، يُعاد فيها تنظيم الأولويات الأمنية فقط، ولكن يُعاد فيها أيضًا تعريف معنى التمثيل، وحدود السلطة، ومفهوم الشرعية نفسه، وبالتالي تحديد من يملك هذه الشرعية في لحظة الانهيار.
لا شكّ أنّ هذا التمديد يختلف عن غيره من المشاريع السابقة، وهو ما سهّل تمريره من دون أيّ صخب، ربما لأنه تزامن مع الحرب المتجدّدة، وبالتالي كان طبيعيًا أن يجد من يبرره تحت عنوان الواقعية السياسية ومنع الانهيار الإداري والدستوري في زمن الحرب، حتى إنّ نوابًا ممّن تبنّوا تاريخيًا شعار "لا للتمديد"، كانوا مؤيدين إما علنًا أو ضمنًا، في حين أنّ الرافضين، حصروا اعتراضهم بمدّة التمديد، وليس بالمبدأ بحدّ ذاته.
هو مشهد معقّد في كلّ زواياه، فبين دولة ترفع السقف تحت عنوان حصر السلاح، ميدان يفرض إيقاعه الخاص، وبرلمان يمدّد لنفسه "تحت النار"، فهل نحن أما حدثين منفصلين فعلًا، أم أمام مسار واحد يعيد تركيب الدولة تحت الضغط؟ وإذا كان المسار واحدًا بالفعل، كيف يمكن أن تعاد صياغة الشرعية في بلد تتصارع فيه المرجعيات على تفاصيل التفاصيل؟
"شرعية السلاح"
منذ اندلاع الجولة الأخيرة من الحرب الإسرائيلية، حاولت الحكومة اللبنانية أن ترسم خطًا سياسيًا أكثر وضوحًا مما كان قائمًا في السنوات الماضية، فرفعت سقف خطابها السياسي، متحدّثة بصراحة غير مسبوقة، وتحت النار، عن ضرورة حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة ومؤسساتها العسكرية. وذهبت أبعد من ذلك، فترجمت كلامها بقرار رسمي بحظر الأنشطة العسكرية لـ" حزب الله "، في خطوة بدت شديدة الدلالة.
أرادت الحكومة من ذلك "التنصّل" من أي مسؤولية لها بعدما اتُهم "حزب الله" بتوريط الدولة، والبلد كلّه، بحرب لا ناقة له فيها ولا جمل، بعدما قرّر "الثأر" للمرشد الأعلى في إيران السيد علي خامنئي ، بعدما سكت لأكثر من سنة عن دماء قادته واستباحة الجنوب، كما أنها أرادت مخاطبةالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة ، للقول إنّلبنان بات جاهزًا لاستلام زمام المبادرة، وقد انتقل إلى صياغة أكثر صراحة في مقاربة ملف السلاح ودور السلطة المركزية.
غير أنّ المشكلة تبدأ تحديدًا من هنا. فرفع السقف السياسي شيء، والقدرة على تحويله إلى وقائع نافذة شيء آخر تمامًا. بكلامٍ آخر، فإنّ الشرعية الدستورية التي تعبّر عنها الحكومة في مكان ما، تصطدم هنا بما يصحّ وصفه بـ"شرعية الميدان" التي لا تزال هي المحدّد الأساسي لمسار التفاوض، وبالتالي لا تتيح عمليًا للدولة أن تترجم إعلانها أنها المرجعية الوحيدة في القضايا المصيرية الكبرى عل الأرض إلى سلطة كاملة.
هكذا، يبدو أن الفجوة لا تزال واسعة بين ما تعلنه الحكومة، ويقوله رئيسها بشكل خاص، وبين ما يحدث على خطوط المواجهة، فالدولة التي تطالب بوقف النار بناءً على ال قرار 1701 ، تجد نفسها في موقع "الوسيط" أحيانًا، وفي موقع "المتلقي" أحيانًا أخرى، من دون أن تمتلك القدرة التنفيذية لفرض رؤيتها كليًّا، ما قد يُقرَأ دوليًا على أنه "ازدواجية" على مستوى القرار، وهو ما من شأنه أن يضعف الموقف اللبناني، غير الموحّد على سردية واحدة.
هنا يصبح سؤال الشرعية أكثر تعقيدًا، فالدولة لا تحتاج فقط إلى أن تكون محقة في المبدأ، بل إلى أن تكون قادرة على جعل هذا المبدأ قابلًا للحياة. وهذا ما يجعل المعركة الحقيقية أبعد من البيانات والقرارات: هل تمتلك السلطة ما يكفي من التماسك الداخلي والإسناد الخارجي لتفرض نفسها مرجعية فعلية، أم أنّها تكتفي، حتى الآن، بإعلان النية فيما تظل الوقائع الفعلية موزعة بين موازين قوى لم تُحسم بعد؟
"شرعية التمثيل"
وسط الحرب، أو ربما في ذروتها، يأتي إقرار التمديد للبرلمان ليفجّر بُعدًا جديدًا في أزمة الشرعية، فإذا كان ملف السلاح يعيد طرح سؤال من يملك القوة، فإنّ إقرار التمديد لمجلس النواب يعيد طرح سؤال مَن يملك التفويض.
صحيح أنّ القرار بدا مبرَّرًا، بعدما قُدّم بوصفه استجابة لظروف استثنائية، ما سهّل تمريره من دون اعتراض،وصحيح أيضًا أنّ لبنان عرف سوابق تمديد سابقة تحت وطأة الاضطرابات الأمنية والإقليمية، لكنّ تكرار هذا الخيار كلما ضاقت السبل يكرّس فكرة أنّ النظام اللبناني صار يستدعي الاستثناء كي يحافظ على نفسه، لا كي يعالجه، علمًا أنّ علامات استفهام طُرِحت حول سبب الذهاب إلى التمديد لسنتين دفعة واحدة، فيما كان بالإمكان الاكتفاء بسنة.
وإذا كان مبرر التمديد أمنيًّا بامتياز، إلا أن تداعياته السياسية تذهب نحو تعميق "أزمة الثقة" بين المؤسسات والمجتمع، خصوصًا على مستوى قدرة المنظومة على تجديد نفسها ديمقراطيًّا، وإعادة إنتاج السلطة. فقرار التمديد الذي أقرّه مجلس النواب، يعني أنّ النواب استخدموا تفويضًا أعطي لهم لتمثيل الشعب، وقرّروا أن يستخدموا هذا التفويض ليصادروا حقّ الشعب به، ويمدّدوا التفويض السابق لنصف ولاية كاملة، وأعينهم ربما على التجديد عندما يحين الوقت.
يقول البعض إن التمديد "تحت النار" قد يحمي الهيكل الإجرائي للدولة من الانهيار الكلي، لكنه في المقابل يضعف "شرعية التمثيل" ويجعل البرلمان يبدو كأنه يبحث عن حماية نفسه قبل حماية الناس، ما يعزز خطاب القوى التي ترى في "الميدان" بديلاً عن مؤسساتٍ عاجزةٍ أو متآكلة. من هنا، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن أمام شرعية ضرورة فعلًا، أم أمام صيغة مقنّعة لإعادة إنتاج التوازنات نفسها بغطاء الحرب؟ وكيف يمكن للسلطة أن تقنع اللبنانيين بأنّها تعيد بناء الشرعية فعلًا، لا أنّها تعيد تدويرها تحت ضغط الحرب؟
"بين شرعيتين"
في المحصلة، يمر لبنان بلحظةٍ تاريخيةٍ مفصليةٍ تتجاوز في خطورتها المواجهات العسكرية، إذ يبدو وكأنه يدخل فعلًا مرحلة إعادة تعريف الشرعية، لكن المشكلة أنّ المعادلة الراهنة لا تنتج شرعية واحدة واضحة، بل شرعيتين متداخلتين ومتصارعتين أحيانًا: شرعية تسعى الدولة إلى تثبيتها بوصفها صاحبة القرار الحصري في الحرب والسلم، وشرعية تحاول المؤسسات استبقاءها عبر تمديد الوكالة السياسية باسم الخطر.
لا شكّ أنّ بعض القوى سيقدّم ما جرى باعتباره بداية تصحيح متأخر، سواء في ملف السلاح أو في ملف انتظام المؤسسات. لكن القراءة الأعمق تعطي استنتاجًا مغايرًا، إذ لا تبدو الدولة كيانًا متماسكًا يفرض منطقه من أعلى، بل بنية سياسية تحاول إعادة تجميع نفسها من داخل أزمة شاملة. وبهذا المعنى، فإنّ الحرب لا تمنح الدولة فرصة مجانية لاستعادة دورها، بل تدفعها إلى خوض معركة شرعية مزدوجة، ضد منازعيها في القرار، وضد الشكوك المتراكمة حول مؤسساتها نفسها.
من هنا، فإنّ الخطر لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في أن تتحول الحرب إلى وسيلة لإرجاء الحسم في جوهر الأزمة اللبنانية، أي أزمة من يحكم، وبأي تفويض، وبأي أدوات، وباسم أي دولة أصلًا. وبهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع الحرب المفتوحة والتمديد للمجلس بوصفهما مسارين منفصلين. فالأول يعيد طرح سؤال من يملك القرار السيادي، والثاني يعيد طرح سؤال من يملك التفويض الشعبي.
وبين السؤالين، يقف لبنان أمام لحظة دقيقة قد لا تكون مجرد عارض من عوارض الحرب، بل بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف معنى الدولة نفسها. وإذا كانت السلطة تريد فعلًا أن تجعل من هذه اللحظة فرصة لاستعادة الشرعية، فإنّ ذلك لن يتحقق برفع السقف الخطابي أو بتبرير التمديد تحت النار فقط، بل بقدرتها على ردم الفجوة القديمة بين الشرعية القانونية و الشرعية السياسية ، وانتزاع اعتراف فعلي داخليًا وخارجيًا، بأنها العنوان الوحيد والنهائي للقرار اللبناني!
المصدر:
النشرة