آخر الأخبار

سيناريو غزة في لبنان... إسرائيل تطبّق سياسة الأرض المحروقة على الضاحية!

شارك

لا تشبه الجولة الثانية من العدوان الإسرائيلي على لبنان تلك التي سبقتها قبل عامين، والتي اتسمت أساسًا بعامل "الصدمة" الناتج من الاغتيالات التي طالت كبار قادة " حزب الله "، وعلى رأسهم زعيمه التاريخي السيد حسن نصر الله ، وقبلها عملية "البيجر" التي لا تزال حتى اليوم عصيّة على الفهم والاستيعاب، سواء لجهة حجم الخرق الذي حصل وطبيعته، أو لجهة مرور جريمة من هذا النوع من دون أن يحرّك العالم ساكنًا.

ومع ذلك، تبدو الجولة الثانية من الحرب "أقسى" من الأولى، ليس فقط لأن "حزب الله"، الذي استعجل هذه الجولة بعمليته التي وُصِفت بغير الموفقة فجر الإثنين، لم يتحضّر لها بما يكفي، أو لأنه لم يستعد عافيته بعد الحرب الأخيرة ليخوض معركة جديدة، بل لأن إسرائيل نقلت المواجهة إلى مرحلة يمكن وصفها بـ"التصفية الاستراتيجية". وبات واضحًا أن مخططها لا يقتصر على نزع سلاح الحزب، بل يرقى إلى مستوى إعادة صياغة الجغرافيا السياسية اللبنانية.

ولعلّ موجة الغارات المكثفة التي استهدفت الضاحية الجنوبية في الساعات الماضية تكفي للدلالة على ذلك، وقد جاءت بعد أوامر إخلاء غير مسبوقة، نزلت على المواطنين كالصاعقة، بعدما تبيّن أنها شملت أحياء كاملة في الضاحية، ما كشف سريعًا عن هدف يتجاوز الضغط النفسي على الناس، ويصل إلى تحويل الضاحية إلى منطقة غير قابلة للحياة، وكأن إسرائيل تعمد إلى "استنساخ" سيناريو " الأرض المحروقة " الذي نُفّذ سابقًا في قطاع غزة .

وعلى الرغم من حجم المأساة، لا يزال الحراك الدبلوماسي الذي تقوده باريس بمبادرة "خجولة" شبه مجمّد، أو بالحد الأدنى "مكبّل". فبينما يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تسويق مبادرة لوقف الحرب تتضمن التزامات متبادلة ودعمًا للجيش اللبناني، تبدو واشنطن في حالة "تريث حذر"، يفسّره البعض على أنه ضوء أخضر لاستكمال الأهداف الإسرائيلية قبل التدخل الجدي لفرض تسوية يراد لها أن تكون "إذعانًا" مغلفًا بقرارات دولية.

هكذا، تتحول الضاحية، ومعها الجنوب والبقاع، إلى ساحات لاختبار مدى قدرة اللبنانيين على التحمل، في حرب قد تكون الأصعب على الإطلاق، ولا سيما أن لبنان يخوضها على وقع انقسام عمودي، فيما يجد نفسه وحيدًا في مواجهة استراتيجية "الأرض القاحلة" التي لا تبقي حجرًا ولا بشرًا. فأي أفق لها؟ وهل يمكن القول إن ما يجري هو محاولة لفرض "اتفاق إذعان" عبر استنزاف البيئة الحاضنة وتدمير مراكز ثقلها الأساسية؟

"إبادة المكان" كاستراتيجية عسكرية

في قراءة الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، تعكس الغارات المكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد أوامر الإخلاء الجماعية التي أصدرتها إسرائيل، تحولًا جذريًا وخطيرًا يتجاوز أهداف العدوان المباشرة إلى العقيدة القتالية الإسرائيلية تجاه الساحة اللبنانية. فللمرة الأولى ربما في تاريخ الصراع، لم يعد الهدف مقتصرًا على "إضعاف القدرات الصاروخية"، بل انتقل العدو نحو ما يمكن تسميته "إبادة المكان"، من خلال تدمير مربعات سكنية كاملة.

وقد تجلّى ذلك بوضوح في سياسة الإنذارات التي يوزعها جيش الاحتلال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لا يمكن قراءتها على أنها إجراء "إنساني" يهدف إلى حماية المدنيين، بل هي "سلاح نفسي" يهدف إلى خلق حالة من الرعب والتهجير القسري الدائم. وبات واضحًا أن الغاية هي تحويل الضاحية إلى "أرض بلا بشر"، وتدمير مقومات العيش فيها لإحداث شرخ بين المقاومة وبيئتها، وهو تكتيك سبق أن طبقه الجيش الإسرائيلي في غزة.

ولا يبدو الأمر محصورًا في الضاحية، وإن اتخذ فيها الشكل الأكثر خطورة. ففي الجنوب مثلًا، كان واضحًا منذ الجولة السابقة من الحرب أن إسرائيل تريد إنهاء مقومات الحياة في قرى الحافة الأمامية، وقد تعمدت مرارًا منع أي محاولة لإعادة الإعمار فيها. واليوم يتأكد هذا الأمر أكثر فأكثر، حيث تهدف محاولات التوغل إلى خلق "منطقة عازلة" بالأمر الواقع، ليس عبر التثبيت العسكري فحسب، بل عبر جعل القرى الحدودية غير قابلة للحياة لسنوات مقبلة.

وتشير هذه الدلالات الميدانية إلى أن إسرائيل لا تبحث عن "صورة نصر" سريعة، بل عن "تغيير بنيوي" في الخريطة يمنع العودة إلى توازنات ما قبل فجر الإثنين. وبكلام آخر، تريد إسرائيل ضمان "أمنها" ليس عبر الاتفاقات فقط، بل من خلال خلق "فراغ جغرافي" يمنع أي تهديد مستقبلي، وهو ما يجعل من الضاحية اليوم الواجهة الأكثر إيلامًا لهذه الاستراتيجية التي تمزج بين الانتقام العسكري والهندسة الديمغرافية.

المبادرة الفرنسية "المتعثّرة"

في ظل هذا الاشتعال الميداني، يبرز الحراك الفرنسي الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون كمحاولة تبدو "خجولة"، ولكنها أيضًا "يتيمة"، لكسر حالة "الانتظار القاتل". وترتكز المبادرة الفرنسية المطروحة على معادلة "وقف النار أولًا" من جانب "حزب الله"، مقابل ضمانات دولية بعدم توسعة الحرب، تمهيدًا لتنفيذ إجراءات أمنية تشمل تسليم مواقع حدودية للجيش اللبناني وتعزيز دور " اليونيفيل ".

ورغم النوايا الفرنسية المعلنة لمساعدة لبنان، فإن هذه المبادرة تواجه عقبات كبرى، أولها الرفض الإسرائيلي القاطع لأي حل لا يتضمن "مكاسب أمنية" مطلقة، وثانيها البرودة الأميركية التي تكتفي بإرسال تحذيرات إلى بيروت حول ضرورة تنفيذ القرارات الحكومية السابقة. وتعتبر تل أبيب، ومن خلفها دوائر في واشنطن، أن أي وقف لإطلاق النار في هذه اللحظة هو "فرصة لالتقاط الأنفاس" بالنسبة إلى المقاومة.

ولذلك، تلوّح إسرائيل بالرفض المطلق لأي عروض لا تتضمن "تفكيكًا كاملًا" للبنية العسكرية جنوب الليطاني، وفرض اتفاق إذعان يغيّر قواعد اللعبة السيادية في لبنان. والدلالة الجوهرية هنا أن العالم، ورغم المبادرة الفرنسية، لا يزال يمنح "تفويضًا ضمنيًا" للنار لاستكمال أغراضها، حيث يُنظر إلى المبادرات الدبلوماسية حاليًا بوصفها "أوراقًا ميتة" بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من مواجهات برية.

فخ "الانتظار الاستراتيجي" الأميركي

على المقلب الآخر، يمارس الوسيط الأميركي سياسة "الانتظار الاستراتيجي". فواشنطن، التي تدرك تمامًا تفاصيل المبادرة الفرنسية، لا تبدو مستعجلة لتبنيها أو الضغط على إسرائيل لتنفيذها. وتوحي المؤشرات الآتية من واشنطن بأن الإدارة الأميركية تعتبر أن الميدان لم يفرز بعد "النتائج السياسية" المطلوبة. والمقصود هنا هو إيصال لبنان إلى نقطة "الإنهاك الشامل"، حيث يصبح النزوح والدمار في الضاحية والجنوب وسيلة ضغط داخلية تجبر الحكومة اللبنانية على القبول بتنازلات كانت تُعد "محرمات" في السابق.

وهذا الجمود الدبلوماسي المتعمد يعني أن القرار 1701، الذي طالما تشدق به المجتمع الدولي، بات في حكم "المجمّد"، وأن البحث الفعلي يدور حول اتفاق جديد، أو "1701 مطوّر" بلمسة إسرائيلية وأميركية. وإذا دلّ ذلك على شيء، فعلى أن التسوية المرتقبة التي تُطبخ تحت النار تسعى إلى إعادة صياغة التوازنات الداخلية في لبنان، وتحديد دوره في المحاور الإقليمية. وبهذا المعنى، فإن "فخ الانتظار" هو في الحقيقة قرار بترك آلة الحرب تنهي عملها في "هدم القديم"، ليتسنى للسياسة لاحقًا بناء "الجديد" وفق شروط القوة.

انقسام الداخل

تكتمل مأساة المشهد اللبناني بالانقسام العمودي الحاد الذي يغذي الأطماع الخارجية، في وقت بات واضحًا أن الميدان يتقدم على السياسة بخطوات واسعة، وأن التسوية المرتقبة لن تكون نتاج حوار دبلوماسي متكافئ، بل محاولة لفرض "واقع جديد" بقوة السلاح. فبينما تحاول الحكومة اللبنانية تسويق خطاب "الالتزام بالشرعية الدولية"، يبرز شرخ واسع بين القوى السياسية حول "جدوى المقاومة" وكلفة الحرب.

وعلى وقع اتهامات "الخطايا السياسية" المتبادلة بين السرايا والضاحية وباقي المكونات، تحوّل المفاوض اللبناني إلى طرف ضعيف لا يملك تفويضًا وطنيًا موحدًا. بل إن لبنان الرسمي، الذي يراقب تدمير عاصمته ومدنه، لم يعد يملك من أوراق الضغط سوى "صمود الميدان" الذي يمنع العدو حتى الآن من تحويل تفوقه الجوي إلى حسم بري ناجز، وهو ما يعني أن لبنان يُترك اليوم لمصيره تحت مجهر "الانتظار القاتل" للعواصم الكبرى.

وإذا كانت المبادرة الفرنسية هي المحاولة الأخيرة لتفادي الانهيار الشامل، فإن نجاحها مرهون بقدرة الميدان على فرض "توازن ألم" يجبر إسرائيل على وقف آلتها التدميرية. وحتى تلك اللحظة، سيبقى لبنان يحترق، وستبقى الضاحية والجنوب شاهدين على مرحلة يُراد فيها كتابة "اتفاق الإذعان" برماد الأبنية المدمرة، بانتظار معجزة سياسية تعيد للبلاد سيادتها المفقودة بين غارة وغارة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا