آخر الأخبار

الصليب الظافر

شارك

التجسُّد والصليب والقيامة، ثلاثيَّة لا تتجزَّأ ولا تنفصل، وتتكامل بتدبير واحد خلاصيٍّ إلهيٍّ اسمه الربُّ يسوع المسيح . صلواتنا وتراتيلنا وأيقوناتنا تظهر هذا الاتِّحاد الَّذي يتخطَّى كلَّ منطق بشريٍّ ولا يُدرَك إلَّا بالمحبَّة الإلهيَّة اللامحدودة.

فأيقونة الميلاد مثلًا تخبرنا عن الصليب والقيامة، وذلك بوجود الأقمطة الَّتي قمَّطت بها والدة الإله يسوع، والَّتي نراها فارغة في أيقونة القبر الفارغ بعد قيامة الربِّ. كذلك الأقمطة نراها على خصر يسوع على الصليب.

وبين تجسُّد المسيح وقيامته ينتصب الصليب المقدَّس الَّذي، بخشبته العموديَّة، ينقلنا من الأرض إلى السماء ويشكِّل جسر عبور لإنساننا الجديد القائم بيسوع، وبخشبته الأفقيَّة يجمع صيرورة الإله إنسانًا بقيامته من بين الأموات. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يفتح الربُّ ذراعيه واسعًا ضامًّا البشريَّة جمعاء إلى صدره. كيف لا وهو الَّذي أتى إلينا لخلاص الشعوب قاطبة.

يُجمع الآباء على أنَّ الصليب المقدَّس هو أيقونة الأيقونات، فالمصلوب هو «يهوه» المتجسِّد، أي الكائن المخلِّص، الله بما تعنيه الكلمة.

ولكون يسوع إلهًا كاملًا، وبتجسُّده أصبح أيضًا إنسانًا كاملًا دون أن يفقد أيَّ شيء من طبيعته الإلهيَّة، وبالتالي هو صاحب طبيعتين كاملتين: إلهيَّة وإنسانيَّة في شخصه الواحد دون أيِّ امتزاج وذوبان. هذا الأمر يجعل تصوير يسوع على الصليب قويًّا وجبَّارًا ومنتصرًا على الموت ومملكة الشيطان. صحيح أنَّ جسده الطاهر بقي في القبر من يوم الجمعة إلى الأحد، إلَّا أنَّه فجَّر الجحيم لحظة موته بطبيعته البشريَّة على الصليب وقيامته بسلطان طبيعته الإلهيَّة.

تصوير المصلوب-القائم مرَّ بمراحل، إلَّا أنَّ هناك خصائص كانت واضحة منذ البداية. فالأيقونة غير منفصلة عن اللاهوت، بل منبثقة منه، وهي كناية عن إنجيل مصوَّر، وكلُّ تصوير في الأيقونة لا يكون عشوائيًّا وله معانٍ خلاصيَّة إلهيَّة.

أوَّلًا، نشاهد يسوع على الصليب غالبًا لا مهزومًا، وعضلات جسمه ظاهرة تأكيدًا على ذلك، وكأنَّنا بذلك نقرأ الآية الإنجيليَّة: «فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم، وأسلم الروح» (متَّى 27: 50). إنَّه صوت ملأ المسكونة جمعاء، وشقَّ حجاب الهيكل من فوق إلى أسفل، وألغى كلَّ الحواجز بين السماء والأرض، وأحنى الشمس، وشقَّق الصخور، وفتح القبور، وأقام الموتى استباقًا للقيامة العامَّة.

ثانيًا، نقرأ في إنجيل يوحنَّا أنَّ يسوع «نكَّس رأسه وأسلم الروح» (يوحنَّا 19: 30). الفعل اليونانيُّ κλίνω (klino) يشير إلى أنَّه أخفضَ رأسه، أو رأو مالَ برأسه، أو أمالَ رأسه. فما فعله الربُّ كان إراديًّا، وحركةَ تسليمٍ حرٍّ وفداء، وليس انهزامًا على الإطلاق. ونلاحظ أنَّ اتِّجاه ميلان رأس يسوع وجسده هو نحو اليمين. وقد فُسِّرَ ذلك قبولًا كاملًا وحرًّا لمشيئةِ الآب الَّتي هي أصلًا مشيئة يسوع نفسها، وذلك أنَّ للثالوث القدُّوس مشيئة واحدة لكونه إلهًا واحدًا. هذا يذكِّرنا بالساعة الأخيرة الَّتي قضاها الربُّ في بستان الزيتون قبل صلبه: «يا أبتاه، إن شئت أن تُجيز عنِّي هذه الكأس. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك» (لوقا 22: 42). ويضاف في موضوع الميلان تفسير بأنَّه احتضان للبشريَّة الَّتي سقطت بالخطيئة وأتى يسوع ليفديها. فهو ينحني نحونا لا ليسقط بل ليرفعنا إلى ملكوته السماويِّ. هو اقترب إلينا ليكون قريبًا منَّا ويحملنا على ذراعيه.

ثالثًا، تظهر الدراسات في تاريخ الأيقونة أنَّ الأيقونات الأقدم تظهر يسوع على الصليب عيناه مفتوحتان. وهناك جداريَّة عن الصلب تظهر ذلك، هي مِن رسمٍ أنطاكيٍّ وتعود إلى القرن الميلاديِّ الثامن، موجودة في بازيليك القدِّيسة ماريَّا أنتيكا في إيطاليا.

لقد توجَّه القدِّيس يوحنَّا الذهبيُّ الفم إلى يسوع بالقول: «أراك مصلوبًا وأسبِّحك كملكٍ». فالصليب مع يسوع أصبح عرش مجد وعلامة ظفر وفداء. ولا ننسَ أنَّ يسوع أتى إلى الصليب برجليه لا عنوة، ويدعونا إلى أن نبكي على خطايانا ونتوب عليها ولا نبكي عليه كما قال (لوقا 23: 28). لهذا لا تصوِّرُ الأيقونة لحظة الصلب التاريخيَّة فقط، بل أيضًا تعلن سرَّ الخلاص الإلهي ِّ المحبِّ للبشر. أليس يسوع غفر حتَّى لصالبيه؟.

وجيِّد أن نعرف بأنَّ دستور الإيمان لا يقول إنَّ يسوع مات للتأكيد على ألوهيَّته بل يقول فقط: «تأنَّس وصُلِبَ عنَّا على عهد بيلاطس البنطيّ. وتألَّم وقبر وقام...».

ظهور العينين المغمضتين الَّذي ابتدأ بعد القرن الميلاديِّ التاسع تقريبًا يشير إلى موت يسوع بالجسد واكتمال الذبيحة الَّتي تمَّمها.

ونلاحظ أنَّه حتَّى مع إغماض العينين لا يوجد مظاهر دم وتشويه وانهزام بل سلام وتسليم، لأنَّ الموت هو المهزوم، وبالتالي جعله الرب رقادًا، فألوهيَّته هي دائمًا المنتصرة وليس العكس، والصليب لم يكن النهاية بل بداية الزمن الجديد، لهذا ينتهي زمن التريودي مع سبت النور ويليه مباشرة زمن البندكستاريون مع أحد القيامة. إنَّه العبور القياميُّ المجيد للإنسان القائم مع يسوع. فالربُّ بعينيه المفتوحتين ينظر إلينا فردًا فردًا ليجذبنا إليه، إلى الحياة الأبديَّة معه، وبعينيه المغمضتين يدخل إلى عمق الموت ويميته إلى غير رجعة.

في الخلاصة، يسوع على الصليب جميل وبهيٌّ، هو «آدم الجديد»، فقد أعاد لنا المجد الأوَّل الَّذي أُظلِمَ بالخطيئة، ويخاطبنا قائلًا: "جعلتك يا إنسان ملكًا منتصرًا على الآلام فانهض وقم معي. أنظؤ جيّدًا، يوجد تحت الصليب جمجمة[1]، لأنَّ آدم القديم دُفِنَ وقام آدم الجديد. وعندما يأتيك الألم ازرع في وسطه الصليب وارتفع معه."

إلى الربِّ نطلب.

مصدر الصورة

[1]. Golgotha is Place of the Skull.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا