بين 8 تشرين الأول من العام 2023 و1 آذار من العام 2026 مسافة زمنية ليست بقصيرة، ولكنها كانت كافية لإدخال
لبنان في سلسلة من الحروب المدّمرة وغير المتكافئة ظروفها وموازين قواها بين "
حزب الله " من جهة والعدو
الإسرائيلي من جهة ثانية.
ستة صواريخ بالتمام والكمال، أطلقها "حزب الله" من داخل الأراضي
اللبنانية في اتجاه الداخل الإسرائيلي ردًّا على اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في
إيران
السيد على خامنئي، كانت كفيلة بإشعال الجبهة اللبنانية، وإدخال لبنان في حرب ليست حربه، ولا طاقة له على تحمّل تبعاتها على المستويين القريب والبعيد، في ظل انقسام واضح بين اللبنانيين على تفسير أهمية ملف حصر السلاح بيد القوى الشرعية وحدها دون سواها.
وعلى رغم المساعي المكثفة، التي تولاها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، داخليًا وخارجيًا، لإقناع "حزب الله" بعدم إقدامه على أي مغامرة غير محسوبة بتوريط لبنان بحرب يُعتقد بأنها ستكون مدمّرة هذه المرّة، وذلك لتزامنها مع ما تواجهه المنطقة من حرب شاملة غير مسبوقة، فإن قيادته أصرّت على توريط لبنان مرّة جديدة بهذه الحرب المجنونة.
ولأن هذه المسألة خرجت عن شبه الاجماع اللبناني، مع استمرار ضرب مقررات
مجلس الوزراء في جلسة 5 آب الماضي بعرض الحائط، وعدم التجاوب مع المساعي، التي بُذلت من أجل اقناع "حزب الله" بتجنيب لبنان تجرّع الكأس المرّة مرة جديدة، جاءت مقررات جلسة اليوم في 2 آذار بمثابة أن "الكي هو آخر الدواء"، خصوصًا أن لبنان الرسمي والشعبي لم يعد قادرًا على تحمّل تبعات أي مغامرة يقوم بها "حزب الله" لغايات خارجة عن الاجماع اللبناني.
وقد جاءت مقررات مجلس الوزراء في جلسة تاريخية لتضع الأمور في نصابها الصحيح، وبالأخص أنها استندت إلى الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والبيان الوزاري للحكومة، وبعد رفض الحكومة وإدانته عملية اطلاق الصواريخ التي تبناها "حزب الله" بما "يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية وحدها دون سواها، كما يتناقض مع رفض زج لبنان في الحرب الإقليمية الدائرة، ويشكّل خروجاً على مقررات مجلس الوزراء وتخطياً لإرادة أكثرية اللبنانيين بما يُقوّض صدقية الدولة اللبنانية"، فقرّر "إعلان الدولة اللبنانية رفضها المُطلق بما لا يَقبل أي لبس أو تأويل لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وتؤكد أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، مما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات "حزب الله" الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون والزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة اللبنانية وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وذلك بما يُكرّس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على اراضيها."
وطلبت الحكومة من الأجهزة العسكرية والأمنية كافة اتخاذ الإجراءات الفورية لمنع القيام بأي عمليات عسكرية أو اطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة من الاراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين وفقاً لما تفرضه القوانين والأنظمة المَرعية الإجراء.
وانطلاقاً من الحرص الثابت على عدم انجرار لبنان إلى أي صراع في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، طالب مجلس الوزراء الدول الضامنة لإعلان وقف الاعمال العدائية بـ "الحصول على
التزام واضح ونهائي من الجانب الإسرائيلي بوقف كل الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية، مع التأكيد على التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان كاملةً وبما يَصون السِلم والاستقرار. ويُعلن المجلس استعداده الكامل استئناف المفاوضات في هذا الشأن بمُشاركة مدنية ورعاية دولية.
وبغض النظر عن ما خلّفته الغارات
الإسرائيلية المتتالية والمتوالية على الضاحية الجنوبية وعلى أكثر من بلدة وقرية جنوبية وبقاعية، يكفي النظر إلى طوابير السيارات، التي غادرت المناطق المستهدفة إلى بعض المناطق، التي لا تزال في منأى عن القصف حتى الآن، ليعرف القاصي والداني خطورة انعكاس إقدام "حزب الله" على إطلاق هذه الصواريخ الستة، التي لم تؤثّر على مجريات الأحداث الكبرى، ولم تردع
إسرائيل ، التي صبّت جام حقدها على البيئة الحاضنة لـ "الحزب"، الأمر الذي ترك استياءً كبيرًا لدى أبناء هذه البيئة، الذين اضطروا لترك منازلهم مرّة جديدة، في ظل التهديدات الإسرائيلية بعدم عودتهم إلى بلداتهم وقراهم مرّة جديدة.
لكن الأخطر من المشهد الإنساني، على فداحته، هو المشهد السياسي الذي يتكوّن سريعًا في الكواليس. فلبنان، الذي كان يحاول بشقّ النفس أن ينأى بنفسه عن ألسنة النار المتصاعدة إقليميًا، وجد نفسه فجأة في قلب المعركة، من دون قرار وطني جامع، ومن دون غطاء دستوري واضح، ومن دون قدرة فعلية على التحكّم بمسار التصعيد أو توقيته أو حجمه.
إن إطلاق الصواريخ الستة لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل رسالة سياسية مفادها أن قرار الحرب والسلم كان خارج إطار الدولة. ولكن بعد مقررات 2 آذار لم يعد هذا السؤال مطروحًا، خصوصًا أن كرة النار قد أصبحت في ملعب "حارة حريك"، على أن يكون أي تصرّف مستقبلي مبنيًا على تقديم المصلحة اللبنانية دون سواها من مصالح جانبية.
فاللبنانيون قد تعبوا من أن يكونوا صندوق بريد لصراعات الآخرين. والتاريخ لن يرحم من اختار التصعيد على حساب الدولة، ولا من صمت حين كان المطلوب موقفًا واضحًا لا لبس فيه.