برسالة واحدة، وبعرض مغر، وبالدولارات، وجوازات السفر والرحلات، هكذا تمكنت إسرائيل خلال الحرب الأخيرة من إحداث أكبر اختراق أمني في صفوف " حزب الله " منذ تأسيسه، لتفرض واقعا جديدًا، بعيدًا عن الصواريخ والغارات والطائرات، وذلك من خلال "العملاء" ودورهم في فتح ثغرات داخل بيئة الصراع. ومع تكرار الضربات الدقيقة واستهداف شخصيات ومواقع شديدة الحساسية، عاد ملف العمالة إلى الواجهة بوصفه أحد المفاتيح التي ساعدت إسرائيل على التوغّل استخباريًا إلى عمق المشهد الميداني.
ملف العملاء، وفي حالة الحرب بين "الحزب" وإسرائيل، لا يُمكن أن يُقرأ فقط من زاوية أخلاقية، لا بل تفرض زاوية "أداة الحرب" نفسها وبقوة. فإسرائيل، كأي جهاز استخباراتي يعمل في نزاع طويل ومعقّد، لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل تسعى دائمًا إلى جمع المعلومات البشرية من الداخل. والسبب واضح "المعلومة البشرية تختصر الوقت وتزيد الدقة"، وذلك من خلال صورة، موقع، حركة، اسم، رقم، توقيت، أو حتى ملاحظة صغيرة عن تبدّل مكان أو مسار، حيث قد تتحول داخل غرف التحليل إلى هدف كامل.
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة هو أن السقوط في شباك التجنيد لا يحصل دائمًا بطريقة مباشرة. في كثير من الحالات يبدأ الأمر من تواصل يبدو عابرًا، أو عرض مالي، أو طلب بسيط لا يوحي بخلفيته الحقيقية. ثم يتدرّج المسار نحو طلبات أكثر حساسية، إلى أن يجد الشخص نفسه داخل شبكة استخباراتية تستثمر حاجته أو ضعفه أو اندفاعه. وتستفيد إسرائيل في هذا السياق من بيئات مضغوطة اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث يصبح المال عنصر جذب قويًا، خصوصًا في ظل الأزمات المعيشية الحادة. فحين تتراجع فرص العمل ويكبر الضغط المالي، ترتفع قابلية بعض الأفراد للمغامرة أو الانخداع أو تبرير الخطوة لأنفسهم باعتبارها "تفصيلًا محدودًا". لكن الواقع أن العمل الاستخباري يقوم أصلًا على هذا النوع من التدرّج "تفاصيل صغيرة تصنع اختراقًا كبيرًا".
أما على مستوى الحرب نفسها، فإن أثر العمالة يتجاوز مسألة تزويد إسرائيل بمعلومة أولية. فالمعلومة البشرية قد تُستخدم لتأكيد ما ترصده الوسائل التقنية، أو لتحديث
بنك الأهداف ، أو لتقييم نتائج الضربات، أو لملاحقة تحركات لاحقة بعد الاستهداف. وهذا ما يفسّر كيف يمكن للاختراق
البشري أن يغيّر مسار المواجهة، ليس فقط عبر كشف هدف واحد، بل عبر تحسين فعالية سلسلة عمليات كاملة.ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط "لماذا تلجأ إسرائيل إلى العملاء" بل "لماذا تبقى هذه الأداة فعالة رغم كل التحذيرات". الجواب يبدأ من طبيعة العمل الاستخباري نفسه فـ"الكلفة منخفضة والأثر مرتفع". تجنيد شخص واحد في المكان المناسب قد يوفّر معلومات تعجز عنها الأقمار الصناعية أحيانًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالعادات اليومية، أو البيئات الاجتماعية المغلقة، أو التغييرات السريعة في مواقع الإقامة والتحرك. كما أن التجنيد لا يجري دائمًا بصيغة مباشرة وصريحة، بل قد يبدأ بخداع وهوية مزيفة وعرض عمل أو مساعدة مالية أو علاقة افتراضية، ثم ينتقل تدريجيًا إلى طلبات تبدو عادية قبل أن تنكشف حقيقتها.
في المقابل، يضع هذا الواقع "حزب الله" وبيئته الحاضنة أمام تحدٍّ بالغ التعقيد. فالمواجهة لم تعد أمنية تقليدية فقط، بل باتت معركة ثقة داخل المجتمع، ومعركة وعي ضد أساليب التجنيد والاستدراج، ومعركة حماية للبيئة الاجتماعية من التحول إلى مساحة قابلة للاختراق. وهذا يعني أن المعالجة لا تكون فقط بالملاحقات الأمنية، رغم ضرورتها، بل أيضًا بتجفيف الظروف التي تُستغل في التجنيد، وفي مقدمها الضائقة الاقتصادية والهشاشة الاجتماعية.
في الخلاصة، كشفت الحرب الأخيرة أن "العمالة" ليست ملفًا جانبيًا يُفتح بعد المعارك، بل جزء من صلب المعركة نفسها. فهي أداة تستخدمها إسرائيل لتوسيع قدرتها على الضرب والتعقّب والتأثير، وهي في الوقت نفسه ثغرة تتغذّى من الأزمات والانقسامات والضغوط. لذلك، فإن فهم ما جرى لا يكتمل من دون قراءة هذا الوجه الخفي للحرب "حرب تُخاض بالنار من الجو، وبالمعلومة من الداخل".