آخر الأخبار

لبنان يأكل من أرضه أقل والزراعة تنزف بمئات الملايين.. فهل تستفيق الدولة؟

شارك
ليست خسارة القطاع الزراعي في لبنان حدثاً موسمياً يُعالج بتعويضات سريعة وينتهي. ما يجري أقرب إلى ضربة في "أصل الإنتاج" نفسه، من شجرة معمّرة تحتاج سنوات لتعود إلى مردودها، إلى بنى تحتية إذا تعطلت يتراجع معها كل ما حولها من ريّ ونقل وتوضيب وتصنيع وتسويق. لذلك تبدو الأرقام الكبيرة التي ظهرت في تقرير لوزارة الزراعة أقرب إلى عنوان لمشكلة أعمق، عنوانها أن الزراعة تدفع ثمن الحرب مرتين. مرة في الحقل ومرة في السوق.

حسسب الارقام، قُدّرت حاجات إعادة الإعمار والتعافي في القطاع الزراعي بنحو 263 مليون دولار، بينها 32 مليوناً مطلوبة بصورة عاجلة لإعادة تنشيط الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، إضافة إلى 135 مليوناً لإعادة تأهيل البنى التحتية واستبدال الأشجار المثمرة وإعادة تكوين الثروة الحيوانية. وفي التفاصيل، تكبد قطاع الثروة الحيوانية أضراراً مباشرة بنحو 48 مليون دولار وخسائر إنتاجية قاربت 41 مليوناً. كما تعرض قطاع الغابات لدمار واسع طال حوالى 4946 هكتاراً مع خسائر تجاوزت 25 مليون دولار، وسجل قطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية أضراراً وخسائر تخطت 6 ملايين دولار مع تضرر نحو 837 زورق صيد وتراجع الإنتاج السمكي. أما القطاع النباتي فكان الأكثر تضرراً بخسائر قاربت 582 مليون دولار، وتصدره قطاع الزيتون بخسائر تجاوزت 236 مليون دولار

خسارة الشجرة ليست خسارة محصول
في الزراعة اللبنانية ، الزيتون ليس سلعة عابرة. هو اقتصاد كامل قائم على شجرة معمّرة وعلى سلسلة قيمة تمتد من الأرض إلى المعصرة ثم السوق. حين تتضرر الأشجار أو يتعذر الوصول إلى الأراضي في توقيت القطاف، لا يضيع الإنتاج فقط. يتوقف العمال الموسميون، تتراجع طاقة المعاصر، ينكمش الطلب على النقل والتخزين، وتضعف قدرة المزارع على تمويل الموسم التالي. هنا تصبح الخسارة مضاعفة لأن المزارع لا يخسر مالاً فقط، بل يخسر قدرة على الاستمرار.
وحين تتحدث الأرقام عن 135 مليون دولار لإعادة تأهيل بنى تحتية واستبدال أشجار وتكوين الثروة الحيوانية، فهو يلامس جوهر الأزمة. الزراعة لا تنهض إذا ظل الريّ متقطعاً، والطرق الزراعية متضررة، والآبار والشبكات والبرك غير صالحة، والبيوت البلاستيكية والآليات خارج الخدمة. هذه ليست تفاصيل تقنية بل شروط إنتاج، وأي تمويل لا يذهب إلى هذه الحلقة سيجعل الإنفاق كله مجرد "إسعاف" لموسم واحد من دون استعادة القدرة الإنتاجية.

السوق يدفع الفاتورة عبر الأسعار
الزراعة في لبنان ليست منفصلة عن أمن الغذاء. حين يتراجع الإنتاج أو ترتفع كلفة الوصول إلى الحقول والنقل والتوضيب، يدفع المستهلك الثمن عبر الأسعار، ويدفع المزارع الثمن عبر تقلص هامش الربح. الأسوأ أن ارتفاع الأسعار الذي شهدته الاسواق مؤخرا على صعيد الزراعات الموسمية، لا يعني بالضرورة ربحاً للمزارع، لأن جزءاً كبيراً من الزيادة تذهب إلى النقل والوسطاء والخسائر التشغيلية والتمويل المكلف. وفي الصيد البحري أيضا، تضرر مئات الزوارق لا يعني فقط تراجع الإنتاج السمك، بل يعني تعطّل مصدر رزق يومي لعائلات ومجتمعات ساحلية، وتراجع حركة سوق كامل من بيع وثلج وصيانة ومحروقات. وفي الثروة الحيوانية، الأضرار المباشرة والخسائر الإنتاجية تعني تراجعاً في الحليب واللحوم ومشتقاتها، أي ضغطاً إضافياً على أسعار الغذاء وعلى دخل المربين.

في هذا السياق، يقول الخبير الزراعي والاستاذ الجامعي جهاد عبدالله لـ" لبنان24 " إن أخطر ما في خسائر الزراعة هو أنها "تقطع الاستمرارية" لا أنها تخفّض الإنتاج فقط. وأوضح أن "المزارع الذي يخسر شجرة معمّرة أو شبكة ريّ لا يخسر موسماً واحداً، بل يخسر سنوات من الدخل، وغالباً ما يضطر إلى تقليص المساحات أو ترك الأرض إذا لم يحصل على دعم سريع ومنظم". وأضاف أن "التعافي يجب أن يُبنى على مسارين متوازيين، مسار عاجل يعيد تشغيل الدورة الإنتاجية قبل ضياع الموسم المقبل، ومسار أعمق يعيد بناء الأصول الزراعية والبنى التحتية لأن أي معالجة من دون ذلك ستبقي القطاع في حلقة خسائر متكررة".

ورأى أن ملف الزيتون تحديداً يحتاج مقاربة مختلفة، لأن المشكلة ليست فقط في حجم الخسائر بل في هشاشة السلسلة المحيطة به، من المعاصر إلى التسويق والتخزين. وأشار إلى أن إعادة الغرس وحدها لا تكفي إذا لم تُحمَ سلاسل الإنتاج من التعطل مجدداً، ولم تُضمن آليات وصول المزارعين إلى أراضيهم ومستلزمات الإنتاج بأسعار قابلة للتحمل.

لبنان لا يواجه أزمة زراعة فقط، بل أزمة "اقتصاد ريفي " كامل. فإذا جرى التعامل مع الملف على أنه تعويضات متفرقة أو مساعدات ظرفية، ستظهر النتائج كأرقام تُدفع وتتبخر. أما إذا قُرئ الملف كحماية للقدرة الإنتاجية، فالأولوية تصبح واضحة:
أولاً، تمويل سريع يمنع انهيار الدورة قبل الموسم المقبل.
ثانياً، إعادة تأهيل البنى التحتية التي بدونها لا إنتاج.
ثالثاً، حماية سلسلة القيمة كي لا تبقى الخسارة موزعة بين المزارع والمستهلك.
رابعاً، آلية شفافة تضمن أن الدعم يصل إلى صغار المزارعين والمربين والصيادين لا إلى الوسطاء.

في المحصلة، لا يُقاس حجم الخسارة بما ضاع من موسم واحد، بل بما تراجع من قدرة لبنان على إنتاج غذائه وعلى إبقاء الريف واقفاً. المطلوب ليس "ترميم أضرار" بل استعادة دورة كاملة تبدأ من الأرض ولا تنتهي إلا في السوق. وإذا بقيت المعالجة في إطار تقارير وأرقام من دون قرار تمويلي وتنفيذي سريع، فإن الزراعة ستدخل مرحلة انكماش طويلة، يدفع ثمنها المزارع أولاً ثم المستهلك، ومعهما بلدٌ يزداد ارتهانه للاستيراد كلما ضعفت أرضه.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا