واعتبر أن استكمال السيادة ليس حدثاً آنياً، بل مساراً تراكمياً يتطلب إرادة سياسية جامعة وثقافة مواطنية راسخة.
وجاء كلام الوزير سلامة خلال مشاركته في مؤتمر "المواطنية وسيادة الدولة: الوضع الراهن وآفاق
المستقبل "، برعاية رئيس الحكومة نواف سلام، وبحضور عدد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين، وشخصيات سياسية وهيئات دبلوماسية، في مقر المكتبة الوطنية –
الصنائع .
وكان سلامة استهل كلمته مشيرا إلى أن "الدول، كما البشر، تولد وتنمو وقد تضعف أو تموت، وأن اكتمالها ليس أمرا مسلّما به بل مسار مستمر من البناء والمواجهة". وتوقف عند التحولات التاريخية التي شهدها العالم منذ القرن الثامن عشر، مشيراً إلى أن ذلك القرن والذي تلاه شكّلا "مقبرة كبيرة للدول"، إذ تراجع عدد الكيانات السياسية من نحو 500 إلى أقل من 30 دولة مطلع القرن العشرين. غير أن المشهد انقلب جذرياً في القرن العشرين، الذي وصفه بأنه "قرن ولادة الدول"، حيث ارتفع العدد تدريجياً ليصل اليوم إلى 194 دولة معترفاً بها دولياً.
وأوضح أن الموجة الأولى لولادة الدول الحديثة جاءت عقب الحرب العالمية الأولى، مع انهيار الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية، ما أفسح المجال أمام نشوء نحو ثلاثين دولة جديدة. ثم تكررت الظاهرة بعد الحرب العالمية الثانية، وتوسعت مع حركات التحرر من الاستعمار في الخمسينيات والستينيات، التي أفرزت عشرات الدول.
ولفت سلامة إلى أن نهاية الحرب الباردة شكّلت محطة مفصلية أخرى، مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار يوغوسلافيا، الأمر الذي أضاف نحو عشرين دولة جديدة إلى النظام الدولي.
ورأى أن غالبية الدول الحديثة سارعت إلى تثبيت رموزها السيادية – من دستور ونشيد وطني ومؤسسات ثقافية ووطنية – باعتبارها تعبيراً عن ولادتها الرسمية. غير أنه شدد على أن "الرمزية لا تكفي وحدها"، إذ إن "الأكثرية الكبرى من الدول التي نشأت في القرن العشرين لا تزال مشاريع دول أكثر منها دولاً مكتملة".
واعتبر سلامة أن جوهر المسألة يكمن في انتقال الولاءات المتعددة داخل المجتمع إلى مرجعية واحدة جامعة هي الدولة، واصفاً هذا التحول بأنه عملية معقدة قد تسير ببطء أو بسرعة، تبعاً للظروف الداخلية والإقليمية.
وفي تحليله لبنية الدول الحديثة، أشار إلى أن "وجود مكونات مجتمعية متعددة ليس استثناءً بل هو
القاعدة في معظم دول العالم، فيما تبقى الدول المندمجة بالكامل هي الاستثناء". وأوضح أن التحدي الأول أمام الدولة يتمثل في التنافس الداخلي على ولاء المواطنين، حيث قد تسعى بعض المكونات إلى الحفاظ على مرجعياتها الخاصة على حساب المرجعية الوطنية الجامعة.
أما التحدي الثاني فهو خارجي، ويتمثل في محاولات التأثير أو الاحتواء أو جذب جزء من المواطنين إلى الانتماء لكيانات أوسع، الأمر الذي يضع السيادة أمام اختبار دائم.
وتوقف وزير الثقافة عند الأبعاد الأربعة لمفهوم السيادة:
السيادة الداخلية: وتعني قدرة
الدولة على احتكار السلاح وإدارة الشأن العام. السيادة الويستفالية: المستندة إلى مبادئ صلح ويستفاليا، والتي تكرّس حق كل دولة في اختيار نظامها السياسي دون تدخل خارجي.
السيادة الدولية: القائمة على اعتراف الدول الأخرى بعضوية الدولة في "النادي الدولي".
السيادة كمسؤولية: وهو مفهوم حديث يحمّل الدولة مسؤولية حماية سكانها وتأمين مقومات العيش
الكريم لهم، مع احتمال تدخل دولي في حال عجزها الكامل عن أداء هذا الدور.
وفي إسقاط هذه المفاهيم على الواقع اللبناني، قدّم الوزير تقييماً وصفه بـ"الواقعي"، قائلاً إن "لبنان يقف في منطقة وسطى بين النجاح والإخفاق".
وعلى مستوى السيادة الداخلية، أقرّ سلامة بأنَّ الدولة لم تتمكن طوال عقود من حصر السلاح بيدها، غير أن الحكومة الحالية تسعى إلى استكمال هذا المسار، لافتاً إلى أن "
الجيش اللبناني دخل في الفترة الأخيرة إلى مناطق لم يكن قد دخلها منذ سنوات طويلة، في خطوة اعتبرها بداية مسار طويل يتطلب صبراً وتدرجاً".
وختم الوزير سلامة كلامه بالتأكيد أن "لبنان، رغم تعثراته، لم يستسلم لفكرة الدولة الناقصة، بل واصل العمل للانتقال من مشروع الدولة إلى حقيقة الدولة".
وأوضح أن الواقعية تفرض الاعتراف بالنقوص، لكن التفاؤل يستند إلى تجربة اللبنانيين في تجاوز محطات صعبة سابقة"، معتبرا أن "استكمال السيادة ليس حدثاً آنياً، بل مساراً تراكميا يتطلب إرادة سياسية جامعة وثقافة مواطنية راسخة".