في الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة نواف سلام يغّط على أرض
لبنان ، بما فيها من أزمات ومشاكل، آتيًا من كوكبه الخاص، كانت
إسرائيل تصول وتجول في سماء
البقاع ، وتقصف وتعربد وتهدّد من دون أن يرّف لها جفن، موقعة المزيد من الضحايا والخسائر، ماديًا ومعنويًا.
وفي هذا الوقت، الذي كانت فيه إسرائيل تزرع قنابلها في أرض الخير البقاعية، كان رئيس الحكومة يعقد مؤتمرًا صحافيًا لم ترد فيه كلمة واحدة مطابقة لموصفات الواقع المذري، الذي يعيشه اللبنانيون نتيجة تراكم القرارات الخاطئة، وآخرها قرار رفع سعر البنزين أربعة دولارات للصفيحة الواحدة، وقرار زيادة واحد في المئة على ضريبة الـ TVA.
لم يكتفِ رئيس حكومة بالوعود غير الصادقة بتبرير القرارات غير المنطقية، التي اتخذها في حق اللبنانيين، وبالأخص بحق موظفي القطاع العام، الذين يعانون مع كل طلعة شمس الأمرّين حتى يستطيعوا أن يصلوا إلى آخر الشهر بجهد جهيد، مع ما يمارسونه على أنفسهم مما يُعرف بـ "شدّ الأحزمة"، بل زاد على قرارات حكومته الخاطئة والمميتة عنصرًا جديدًا يتماشى مع سياسة تلك النعامة، التي تدفن رأسها في الرمال، متعاميًا عمّا يدور من حوله.
حاول رئيس الحكومة، وبناء على نصيحة بعض المقرّبين منه من وزراء، أن "يكّحلها" فـ "عماها"، وهو الذي كان يعتقد أنه قادر على امتصاص نقمة الشعب، الذي يلوّح بتحركات في شارع يغلي، وقد يعيد مشهدية 17 تشرين الأول من العام 2019، مع ما رافقها من تداعيات سياسية واقتصادية ومالية واجتماعية، وما أدّت إليه من إجراءات لم تكن في مستوى الأحداث، على رغم استقالة حكومة
سعد الحريري يومذاك.
لكنّ الفارق هذه المرّة أنّ الشارع ليس وحده المأزوم، بل الدولة بكل مؤسساتها. ففي 17 تشرين، يوم استقالت حكومة سعد
الحريري تحت ضغط الانتفاضة الشعبية، كان هناك من يراهن على "صدمة إيجابية" تعيد تصويب المسار. أمّا اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا. فلا الصدمة تفيد، مع ما فيها من سلبيات؛ ولا مفاجآت منتظرة، بل اعتياد خطير على الانحدار، وكأن اللبنانيين صاروا يتلقّون القرارات الموجعة كما تُتلى نشرات الأحوال الجوي، ولسان حالهم يقول: "لا حول ولا قوة..."
فرئيس الحكومة يتحدّث بلغة الأرقام والإصلاحات والحوكمة الرشيدة، فيما الناس تتحدّث بلغة الفواتير والمحروقات وأقساط المدارس. هو يشرح نظريات التعافي المالي، وهم يسألون عن ثمن ربطة الخبز. هو يَعِدُ بمستقبل أفضل "إذا صبرتم قليلًا"، وهم صبروا حتى تآكلت أعصابهم قبل مدّخراتهم. كأن الرجل يعيش فعلًا في مدار مختلف، حيث القرارات تُقاس بجداول الـ Excel لا بنبض الشارع، الذي يغلي منذرًا بأوخم العواقب.
والمفارقة أنّ الحكومة تتصرّف وكأن رفع الضرائب هو العلاج السحري لكل علّة، متناسية أنّ الاقتصاد المنهك لا يُنعش بالجباية، بل بالثقة. وأي ثقة يمكن أن تُبنى فيما الطائرات المعادية تعبر الأجواء بلا رادع، والحدود سائبة، والقرارات السيادية معلّقة بين بيان وتصريح؟ أي منطق هذا الذي يطلب من المواطن أن يدفع أكثر، فيما الدولة لا تقدّم له سوى وعود مكرّرة بحزمة إصلاحات "قيد الإعداد"؟
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن وعود الليل العرقوبية لم تنتظر طلوع النهار حتى تُمّحى. ومن بين هذه الوعود غير الصادقة على سبيل المثال لا الحصر، ما وعد به رئيس الحكومة لجنة المتقاعدين من العسكريين يوم اقتحموا حرم مجلس النواب في "ساحة النجمة"، والوعود التي أُغدقت على أهل الجنوب المشردين بإعادة اعمار منازلهم وقراهم وإعادتها أجمل مما كانت عليه سابقًا.
وفوق كل ذلك يأتي الخطاب الرسمي الحكومي ليطمئن اللبنانيين بأن "الأمور تحت السيطرة". فعن أي سيطرة يبشرّنا رئيس حكومة "اللاصلاح واللانقاذ"؟ هل المقصود السيطرة على الأسعار أو على الرواتب؟ أم هي سيطرة العجز على الموازنة؟ أم سيطرة الواقع على الخطابات؟ المشهد أقرب إلى إدارة أزمة عبر المؤتمرات الصحافية، لا عبر قرارات شجاعة تعترف أولًا بحجم المأزق قبل أن تدّعي القدرة على معالجته.
هكذا يبدو رئيس الحكومة، في نظر كثيرين، كمن يحاول إدارة بلد يحترق من خلف زجاج عازل للصوت. يرى الدخان، يسمع الصراخ مكتومًا، لكنه يصرّ على التخيّل بأن المؤشرات "مشجّعة". وربما كان عليه أن يهبط قليلًا من كوكبه، لا ليعاين الخراب فقط، بل ليسمع الناس الذين لم يعودوا يطلبون معجزات، بل فقط حكومة تعرف على أي أرض تقف.
ولا يكفي أن تملأ "السوشيل ميديا" بصوره وهو يغادر إلى ميونخ عبر
مطار رفيق الحريري مثله مثل أي مواطن عادي. المطلوب من رئيس حكومة لبنان، وفي هذا الوقت العصيب، أكثر من قنابل دخانية، وأكثر من اعلان مواقف لا تُصرف إلا على موائد
صندوق النقد الدولي .