حضور والدة الإله في الصلوات والخدم الكنسيَّة محوريٌّ، ولا تخلو خدمة من قطع لا تناشد العذراء مريم وتكرِّمها. هذا مرتبط بدورها في التدبير الإلهيِّ.
نبدأ الإثنين بالصيام الأربعينيِّ، وهو الإثنين الأبيض كما يحلو للبعض أن يدعوه، إذ نكون قد توقَّفنا عن أكل اللحم ومشتقَّات البياض ليعي الإنسان ويتذكَّر أنَّه ليس جسدًا فقط بل روحٌ أيضًا. فالصوم الجسديُّ مرتبط بحياتنا الروحيَّة، إذ ضبط المآكل، إن صحَّ التعبير، ما هو إلَّا جوع إلى الملكوت السماويِّ. وما من مثال بشريٍّ نحتذي به نحن البشر في مسيرة صومنا لبلوغ القيامة المجيدة أفضل من والدة الإله الَّتي كانت تعيش على الأرض كالملاك، تصغي إلى كلام الربِّ وتعيشه بالملء. كيف لا وهي الَّتي ولدت في عائلة محورها الله، وتربَّت في الهيكل وتناولت الخبز الَّذي كان يأتي به الملاك لها كما تظهر أيقونة دخول والدة الإله إلى الهيكل.
ففي قراءات اليوم الأوَّل من الصوم نقرأ مثلًا: «أنت هي ينبوع التحنُّن يا والدة الإله، أهِّلينا للترثِّي والإشفاق، وانظري إلى شعب خاطئ وأظهري اقتدارك دائمًا لأنَّنا إيَّاكِ رجَوْنا لنصرخ إليك بسلام مثل جبرائيل رئيس أجناد العديمي الأجساد». هذه القطعة هي أيضًا القطعة نفسها الذي يقرأها الكاهن أمام أيقونة والدة الإله وهو يستعد لخدمة القدّاس الإلهي.
والدة الإله مثال في الصلاة والتواضع والخدمة والإصغاء والصمت والتسليم الإلهيِّ والمحبَّة وفضائل كثيرة لا تُعَدُّ، بالإضافة إلى أنَّها أيقونة الأمومة الأولى وأيقونة العذارى في آن، فهي والدة وفي الوقت نفسه عذراء. تدبير إلهيٌّ فريد في التاريخ البشريِّ.
كلُّ قطعة صلاة عن والدة الإله نتلوها في صلواتنا غنيَّةٌ بمعانيها، وتدعونا إلى عالم السماويَّات الَّذي انحدر إلينا واتَّحد بنا بدءًا بالتجسُّد الإلهيِّ الَّذي حصل في البشارة في أحشاء مريم العذراء الطاهرة.
إنطلاقًا، نعرض في المقالة أربع نقاط أساسيَّة تتعلَّق بوالدة الإله، وهي نقاط خلاصيَّة وجوهريَّة في حياتنا الإيمانيَّة المسيحيَّة.
النقطة الأولى، كلام الربِّ الَّذي نقله الملاك جبرائيل للعذراء في حدث البشارة (لوقا 1: 26 - 38). فبعد أن حيَّاها قال لها: «مباركة أنتِ في النساء... ها أنتِ ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمِّينه يسوع. هذا يكون عظيمًا، وابنَ العليِّ يُدعى». وأكمل: «الروح القدس يحلُّ عليكِ، وقوَّة العليِّ تظلِّلُكِ، فلذلك أيضًا القدُّوس المولود منكِ يدعى ابن الله». وفي النهاية قالت مريم للملاك: «هوذا أنا أمة الربِّ. ليكُن لي كقَولك».
كلام الملاك ليس كلامًا عاديًّا على الإطلاق وليس له سابقة ولا لاحقة. وهو أوَّلًا تحقيق للنبوءات عن مجيء الإله المخلِّص، وثانيًا، هو يظهر بوضوح طبيعة المولود الإلهيِّ الَّذي حبلت به مريم بالروح القدس. فهو اسمه «يسوع» أي الله - الكائن الَّذي يخلِّص، وهو أيضًا «ابْنُ الله». ليس في هذا أيُّ التباس، لأنَّ كلمة ابن تشير إلى الطبيعة الإلهيَّة ليسوع، لهذا فهو الله كما الآب هو الله، والابن هو الله، وثلاثتهم إله واحد. وكون المولود من العذراء هو الله فهي حكمًا والدة الإله. وقلنا يسوع مولود منها وليس مخلوقًا لأنَّه إله موجود قبل أن يولد من مريم، وليس مثل البشر لا يكون موجودًا قبل أن يُخلَق.
النقطة الثانية، ما قالته أليصابات لوالدة الإله عند دخول مريم إليها: «مباركة أنتِ في النساء ومباركة هي ثمرة بطنكِ! فمن أين لي هذا أن تأتي أمُّ ربِّي إليَّ؟» (لوقا 1: 42-43). أليصابات بدأت كلامها مثل تحيَّة الملاك جبرائيل لمريم، ومن ثمَّ أعلنت بالروح القدس أنَّ العذراء هي أمُّ ربِّها.
النقطة الثالثة تتمحور حول ما قالته امرأة ليسوع بعد أن سمعت كلامه: «طوبى للبطن الَّذي حملك والثديَيْن اللذين رضعتَهُما». وأجابها الربُّ: «بل طوبى للَّذين يسمعون كلام الله ويحفظونه» (لوقا 11: 27-28).
أراد المخلِّص بكلامه أن يقول للمرأة ولنا جميعًا ألَّا يكون المديح بشريًّا صرفًا بل أن يرتبط بالإصغاء لكلامه والعمل به. ومَن أكثر مِن والدة الإله وضعت كلام الربِّ في قلبها وعاشته بالكلِّيَّة؟
النقطة الرابعة، ما حدث في عرس قانا الجليل . يخبرنا الإنجيليُّ يوحنَّا أنَّه لمَّا فرغت الخمر قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ له (ليسوع): «ليس لهم خمر». وهو أجابها: «ما لي ولكِ يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد». عندها قالت مريم للخدَّام: «مهما قال لكم فافعلوه» (يوحنَّا 2: 3-5).
حوار بغاية الأهمِّيَّة ويحمل معاني خلاصيَّة كبيرة. كلمة «امرأة» هي تحقيق للنبوءة الأولى الَّتي أعطاها الربُّ للبشريَّة بعد سقوط آدم وحوَّاء بقوله للحيَّة الَّتي هي الشيطان بأنَّه سيضع عداوة بينه وبين المرأة، وبين نسل الشيطان ونسل المرأة. وأكمل: «هو يسحق رأسكِ، وأنتِ تسحقين عَقِبَهُ» (تكوين 3: 15). يسوع سحق رأس الشيطان على الصليب عندما أمات الموت بموته بطبيعته البشريَّة وقام من بين الأموات بسلطان طبيعته الإلهيَّة. والشيطان جرحه بطعنه على الصليب.
وقد فسَّر بولس الرسول آية الوعد الأوَّل الَّتي استمرَّ الأنبياء يقولونها، فكتب: «وأمَّا المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول: «وفي الأنسال» كأنَّه عن كثيرين، بل كأنَّه عن واحد: «وفي نَسْلِكَ» الَّذي هو المسيح» (غلاطية 3: 16).
في الخلاصة، نحن نسير مع والدة الإله في زمن التريودي راجين اكتساب فضائلها لنقوم مع المسيح من قبر خطايانا. وهي تقول لنا دائمًا: "«مهما قال لكم الرّب فافعلوه»
إلى الربِّ نطلب.
المصدر:
النشرة