في توقيتٍ يتقاطع فيه شهر رمضان المبارك مع زمن الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية ، أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة في لبنان مبادرة "سوا بالصيام" في محاولة للتخفيف من الأعباء المعيشية المتزايدة على الأسر اللبنانية .
تأتي هذه الخطوة في ظل أزمة اقتصادية مستمرة أضعفت القدرة الشرائية ورفعت أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة، ما يجعل أي تدخل يحدّ من الأسعار موضع اهتمام واسع لدى المواطنين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية يومية.
يعاني اللبنانيون منذ سنوات تداعيات الانهيار المالي وتراجع قيمة العملة الوطنية، الأمر الذي أدى إلى تضخم حاد في أسعار السلع الأساسية.
ومع اعتماد لبنان بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية، باتت الأسعار ترتبط مباشرة بتقلبات سعر الصرف وكلفة النقل والطاقة، فيما بقيت الأجور على حالها تقريباً، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر.
ومع اقتراب المواسم الدينية، ترتفع معدلات الاستهلاك الغذائي، فتزداد الضغوط على ميزانيات الأسر، خصوصاً تلك ذات الدخل المحدود.
في هذا السياق، تأتي مبادرة "سوا بالصيام" كإجراء يهدف إلى تخفيف كلفة السلة الغذائية خلال فترة الصيام، عبر تخفيض أسعار مجموعة من السلع الأساسية الأكثر استهلاكاً، مثل الأرز والسكر والزيوت والحبوب والمعلبات ومشتقاتها.
وقد تم تنفيذ المبادرة بالتعاون مع نقابة أصحاب السوبرماركت والمستوردين والنقابات المعنية بالقطاع الغذائي، وتشمل عدداً كبيراً من المتاجر ونقاط البيع المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، بما يهدف إلى ضمان وصول التخفيضات إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين.
ويعكس هذا التعاون بين القطاعين العام والخاص محاولة لتقاسم المسؤولية في مواجهة الغلاء، خاصة في ظل محدودية قدرة الدولة المالية.
فنجاح المبادرة يعتمد على
التزام التجار بتخفيض هوامش الربح خلال فترة محددة، مقابل الحفاظ على حركة السوق وتنشيط المبيعات، وهو ما قد يوفر توازناً نسبياً بين قدرة المستهلك والتكاليف التي يتحملها القطاع التجاري.
وفي حديثه عن المبادرة، أكد
وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط أن هذه الخطوة تأتي ضمن التزام الوزارة حماية المستهلك والتخفيف من الضغوط المعيشية، مشدداً على أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الارتفاع غير المبرر للأسعار.
وأوضح أن الهدف هو تأمين السلع الأساسية بأسعار مخفّضة خلال فترة الصيام وتعزيز الاستقرار الغذائي والاجتماعي في هذه المرحلة الدقيقة، لافتاً إلى أن الوزارة ستكثف الرقابة الميدانية لضمان التزام المتاجر بالتخفيضات المحددة، داعياً المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مخالفات قد تُسجَّل في الأسواق.
وتعتزم وزارة الاقتصاد مواكبة المبادرة عبر تكثيف الجولات الرقابية لضمان الالتزام بالأسعار ومنع أي استغلال أو تلاعب، خاصة أن تجارب سابقة أظهرت تفاوتاً في تطبيق التخفيضات أو غياب وضوح الأسعار للمستهلكين. ويُنتظر أن يلعب جهاز حماية المستهلك دوراً محورياً في مراقبة التنفيذ، بما يعزز الثقة بين المستهلك والأسواق.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على بعدها الاقتصادي، بل تحمل بعداً اجتماعياً واضحاً، إذ تعكس تسميتها "سوا بالصيام" رمزية التضامن بين اللبنانيين بمختلف طوائفهم خلال موسم ديني مشترك، في ظل أزمة معيشية تطال الجميع. وفي مجتمع تتآكل فيه الطبقة الوسطى وتتوسع فيه دائرة الفقر، يصبح تأمين الغذاء بأسعار مقبولة جزءاً من الأمن الاجتماعي والاستقرار اليومي للأسر.
ويرى خبراء اقتصاديون أن المبادرة قد تساهم في تخفيف الضغوط المعيشية خلال فترة محدودة، كما قد تنعكس إيجاباً على حركة الأسواق عبر زيادة الاستهلاك المنظم بدل التراجع الحاد في المبيعات.
إلا أن تأثيرها يبقى مرحلياً، نظراً لارتباط الأسعار بعوامل بنيوية مثل كلفة الاستيراد والطاقة، إضافة إلى ضعف الإنتاج المحلي واعتماد السوق على الخارج والوضع الأمني في البلد.
ورغم الترحيب بالمبادرة، يؤكد مراقبون أن أثرها الفعلي سيبقى محدوداً ما لم تترافق مع سياسات اقتصادية طويلة الأمد تعالج جذور الأزمة، من دعم الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية المحلية إلى تحسين سلاسل التوريد وضبط الأسواق بشكل دائم، لا موسمي.
تمثل مبادرة "سوا بالصيام" استجابة مباشرة لحاجة ملحّة في لحظة اقتصادية واجتماعية حساسة، إذ تمنح الأسر هامشاً من القدرة على تلبية احتياجاتها الغذائية خلال فترة الصيام. لكنها في الوقت نفسه تذكّر بأن الحلول الظرفية، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تحل محل الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد اللبناني.
وفي ظل واقع معيشي قاسٍ، والاجراءات الضريبية الجديدة، تبقى هذه المبادرات متنفساً مرحلياً ورسالة تضامن تعكس محاولة رسمية للتخفيف من وطأة الأزمة، وتؤكد أن التعاون بين الدولة والقطاع الخاص يمكن أن يصنع فارقاً ملموساً في حياة المواطنين، ولو مؤقتاً.