آخر الأخبار

محادثات صندوق النقد في بيروت: الاتفاق ليس وشيكًا

شارك
على مدى ثلاثة أيام من الاجتماعات بين بعثة صندوق النقد الدولي والسلطات اللبنانية ، طغت اللغة الدبلوماسيّة على البيان الصحفي الصادر عن البعثة، والذي وصف المناقشات بـ "البنّاءة"، فيما الواقع يعكس فجوة واسعة تحول دون بلوغ اتفاق مبدئي في المدى المنظور.فالوفد الدولي أعاد التذكير بسلسلة شروط أساسيّة، لم تُنجز بعد، أبرزها إقرار تعديلات جوهريّة على قانون إصلاح أوضاع المصارف "تضمن آلية تصفيّة مستقلّة وشفافّة وفق المعايير الدوليّة" الأمر العالق في متاهات التشريع والمصالح المتضاربة، بما يقوّض قدرة الدولة على ترجمة التعهدات إلى خطوات تنفيذيّة.
ملف زيادات رواتب القطاع العام حضر في النقاشات كعنوان إضافي لغياب الانضباط المالي، إذ شدّد خبراء الصندوق على ضرورة ربط أيّإنفاق جديد بإجراءات فعليّة لزيادة الإيرادات، في وقت تواصل الحكومة إطلاق وعود غير ممولة، ما يهدّد بتقويض الاستقرار الاقتصادي الهش بدل تعزيزه.
الصندوق يختبر
تندرج زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان في إطار اختبار جديد لمدى جدّية الدولة في تنفيذ الإصلاحات، وتقييم مستوى المخاطر السياديّة، بعد تجربة عام 2022 التي انتهت إلى نتائج مخيّبة، وأرست مناخًا من الحذر في مقاربة الصندوق الحاليّة، وفق رؤية خبير المخاطر المصرفيّة الدكتور محمد فحيلي، لافتًا في حديث لـ " لبنان 24 " إلى أنّ الصندوق لا يقدّم التمويل على قاعدة الدعم السياسي، بل وفق معايير موحّدة، تفرض ضمان استدامة الدين العام واستقرار القطاع المالي. فأيّ مسار إنعاش اقتصادي، بحسب فحيلي، يحتاج إلى قطاع مصرفي سليم وشفّاف وقنوات تمويل موثوقة، وهو ما لا يزال مفقودًا.ويضيف أنّ الصندوق يطالب بضمانات واضحة وموثّقة، حول قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها الواردة في الاتفاق المبدئي الموقّع في نيسان 2022، في ظلّ تنفيذ محدود لمعظم البنود، الأمر الذي يفسّر الملاحظات القاسية التي أبداها الصندوق في هذا الملف، ويعكس استمرار أزمة الثقة بين لبنان والمؤسسات الدوليّة.
الثقة لا تستعاد بالخطابات
يبقى العنوان المحوري في مقاربة صندوق النقد الدولي هو إعادة بناء الثقة بالاقتصاد اللبناني، غير أنّ هذه الثقة لا تُستعاد بالخطاب التفاؤلي ولا بالوعود السياسية، رفق فحيلي، بل بإجراءات ملموسة تُترجم بانخفاض المخاطر السياديّة، وتراجع كلفة التمويل واستعداد المستثمرين للدخول في التزامات طويلة الأجل، وهي عناصر لا تزال غائبة حتى الآن. "المؤشرات الإيجابية تبدأ، على سبيل المثال، بإقرار قانون إعادة هيكلة المصارف ونشره في الجريدة الرسمية والشروع في تنفيذه فعليًّا، وكذلك بإقرار قانون معالجة الفجوة المالية بشفافية ووفق المعايير الدوليّة. أمّا استمرار التأخير في هذه الملفات فيُبقي الاستثمارات طويلة الأجل في دائرة الانتظار. ومن هذا المنطلق، يركّز الصندوق على تقييم مستوى المخاطر في لبنان، مطلقًا إشارات واضحة عبر تقاريره وتصريحاته التي تراقبها الأسواق عن كثب. وحتى الآن، لا يزال يعتبر أنّ الدولة تؤجّل الاعتراف بالخسائر بالحد الأدنى، فيما تبقى المخاطر مرتفعة من دون خطوات جديّة لخفضها، ما يكرّس أزمة الثقة ويؤخّر أي مسار تعافٍ فعلي".
تشريعات بلا تنفيذ وتصنيف متعثر
يشير فحيلي إلى أنّ صندوق النقد الدولي يستند أيضًا إلى تقارير وكالات التصنيف الائتماني العالميّة، التي تراقب بدورها موقف الصندوق من لبنان، لافتًا إلى أنّ التصنيف السيادي لا يزال منذ عام 2019 في خانة التعثّر من دون أيّ تعديل إيجابي في النظرة المستقبليّة، في ظلّ غياب التزام سياسي واضح بالإصلاح من السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة. ويعتبر فحيلي أنّ جوهر الأزمة يكمن في ضعف الالتزام السياسي بالإصلاح "إذ تبقى الحكومة، حتى عند إعلان نيّات إصلاحيّة، مقيّدة بمجلس النواب الذي لا يترجم الإصلاحات التزامًا فعليًّا، ما يحدّ من قدرة السلطة التنفيذية على التطبيق، ويعيد إلى الواجهة الطرح القديم بمنحها صلاحيات استثنائيّة لتسريع مسار الإصلاح".
وعلى الصعيد التشريعي، يلفت فحيلي إلى أنّ عددًا من القوانين صدر بالفعل، لكن كثيرًا منها فُرّغ من مضمونه أو استُخدم لتأجيل المعالجة. فالقانون الرقم 44 المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهابالصادر عام 2015، لم يحُل دون إدراج لبنان على اللائحة الرماديّة لمجموعة العمل المالي، ولا لاحقًا على لائحة الدول عالية المخاطر لدى الاتحاد الأوروبي . كما أنّ تعديلات قانون السريّة المصرفيّة في عامَي 2022 و2025 لم تُترجم تدقيقًا جنائيًّا فعليًّا حتى الآن، ما أبقى لبنان في عزلة عن الأسواق الماليّة الدوليّة، وجعل إصدار سندات سياديّة بشروط معقولة أمرًا شبه مستحيل.
استقرار نقدي هشّ وسوء فهم لدور الصندوق
في بيانها الصحفي، شددت بعثة الصندوق على وجوب أن تكون استراتيجيّة إعادة هيكلة المصارف متّسقة مع السيولة المتاحة، لتوفير الموارد اللازمة عند الإفراج التدريجي عن الودائع المصرفيّة، وضمان ألّا تُقوّض المساهمات المطلوبة من الدولة الجهود الرامية إلى استعادة استدامة الدين العام. وأبعد من الجولة الأخيرة من المباحثات، يرى فحيلي أنّ هناك قراءة خاطئة لدور صندوق النقد الدولي لدى كلٍّ من السلطة التنفيذيّة ومصرف لبنان، إذ لا يقتصر الاتفاق معه على تأمين التمويل، بل يشكّل إطارًا لفرض الانضباطين المالي والنقدي وتعزيز الشفافيّّة في ميزانيّة المصرف المركزي. وحتى الآن، لا مؤشرات إلى انعطافة استراتيجيّة في السياسة النقديّة. ولفت فحيلي إلى أنّ الاستقرار الحالي في سعر الصرف عند حدود 89,500 ليرة للدولار لا يعكس إصلاحًا بنيويًّا، بل نتيجة تعديل رسمي للسعر والتدخل في السوق "وهذا استقرار وهمي، قابل للاهتزاز، في ظل استمرار الدولرة واتساعها، وعدم تعافي الطلب على الليرة اللبنانية. كذلك، ما زالت إدارة السيولة قصيرة الأجل ومرتبطة بتدخّلات ظرفيّة، فيما تستمر الضغوط التضخميّة نتيجة تمويل الدولة لنفقاتها بأساليب غير مستدامة".
الاهتمام الدولي قائم ولكن
في المقابل لا ينبغي التقليل من أهمية الزيارة الأخيرة لبعثة صندوق النقد الدولي، إذ تعكس استمرار انخراط الصندوق واهتمامه بمسار إنقاذ الاقتصاد اللبناني، ما يعني أنّ المجتمع الدولي لم يُقفل الباب نهائيًا بعد. ويلفت فحيلي إلى أنّ هذا الاهتمام ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، في ظلّ تضاؤل هامش الصبر الدولي، وهو ما يظهر في التشدد في ملف إعادة الإعمار، وربط أيّ دعم اقتصادي أو إنمائي بشروط سياسيّة وإصلاحيّة واضحة.
لكنه يوضح أنّ هذه الزيارة لا تعني التوصل إلى اتفاق نهائي، ولا حتّى إلى اتفاق مبدئي في المدى القريب. طالما أنّ القضايا الجوهرية لا تزال عالقة، وفي مقدّمها إصلاح القوانين المالية، ومعالجة الفجوة الماليّة، وإرساء إطار للاستقرار المالي يشكّل مدخلًا لجذب الاستثمارات.
بالمحصلة، لا يزال لبنان بعيدًا عن توقيع برنامج مع صندوق النقد الدولي، فيما يعّقد استحقاق الانتخابات النيابيّة الوضع التشريعي، بحيث سينصرف النواب إلى حملاتهم الانتخابيّة، أو بأحسن الأحوال يشرّعون على وقع هذه الحملات، بما يحمل تشريعا شعبوي الطابع، ويفاقم من صعوبة الدفع بالإصلاحات الجوهريّة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا