آخر الأخبار

تكرار الغباء نفسه... يقود إلى النتيجة نفسها!

شارك

تُوجد مَقولة شهيرة ينسبها البعض إلى عالم الفيزياء الغني عن التعريف ألبرت أنشتاين والبعض الآخر إلى مصادر أخرى، تؤكّد التالي: "الجنون (أو الغباء، بحسب الترجمة الأكثر دقّة) هو أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا وتتوقّع نتائج مختلفة"! هذا تمامًا ما قامت به الحكومة اللبنانية عندما أقرّت زيادة مرتجلة وجزئية وغير مدروسة على رواتب القطاع العام ، مُعوّلة على تمويل من رفع ضريبة القيمة المُضافة من 11 إلى 12 %، ومن زيادة الرسوم على صفيحة البنزين بمقدار 300 الف ليرة لبنانية، ومن زيادة على الرسوم المدفوعة على الحاويات لتُصبح 50 دولارًا للحاوية قياس 20 قدمًا، و80 دولارًا للحاوية قياس 40 قدمًا، مُتوقّعة أن تمرّ هذه التدابير مرور الكرام من دون ارتدادات عكسية! ولإنعاش الذاكرة، يجب التذكير بما حصل في الماضي لتحديد ما سيحصل في المستقبل القريب:

الزيادة على صفيحة البنزين لا يعني أنّ على اللبنانيّين دفع نحو ثلاثة دولارات ونصف الدولار إضافيًا على كل صفيحة فحسب، بل أنّ عليهم في المستقبل القريب جدًا تحمّل موجة تضخّم جديدة، وموجة غلاء على كل الصُعد، كما حدث في السنوات الماضية! زيادة سعر صفيحة البنزين يعني تلقائيًا زيادة أسعار كل السلع والبضائع، لأنّ التُجار في لبنان الذين كانوا قد قاموا أصلًا في السنوات القليلة الماضية بزيادة الأسعار بشكل تدريجي وخبيث من دون أي رادع أو رقيب، بحجّة مواكبة التضخّم العالمي، سيُسارعون إلى رفع الأسعار بحجّة ارتفاع كلفة النقل عليهم. هذا يعني أنّ الغلاء سيطال باقة الفجل في محل السمانة وُصولًا إلى سعر مبيع الشقة السكنيّة، كما تؤكّد كل التجارب الماضية التي جرى تنفيذها من قبل حكومات سابقة. بكل بساطة، الزيادة على صفيحة البنزين يعني أنّ تعرفة النقل في سيارة الأجرة سترتفع، ويعني أن تعرفة باص المدرسة سترتفع، ويعني أّن تعرفة كل طلبيّات الشراء التي تعتمد على خدمات النقل سترتفع.

وعلى خط مُواز، إنّ رفع ضريبة القيمة المُضافة لا يعني أنّ المسألة محصورة برقم بسيط زاد من 11 إلى 12، بل يعني أنّ كل عمليّة شراء أكانت صغيرة ومحدودة أم كبيرة وعلى نطاق واسع، ستخضع لزيادة كبرى على مستوى الثمن الإجمالي. فأي فاتورة سيدفعها المواطن ستخضع حُكمًا لزيادة إضافية، فهذا النوع من الزيادات يطال مباشرة الشاري النهائي، أي المواطن. والأمر نفسه ينطبق على مسألة رفع الرسوم المدفوعة على الحاويات المشحونة، إلى 50 دولارًا للحاوية قياس 20 قدمًا، و80 دولارًا للحاوية قياس 40 قدمًا، لأنّ التجّار، بغض النظر عن طبيعة البضاعة أو السلع التي يستوردونها، سيرفعون الأسعار تلقائيًا لتعويض ما يدفعونه من ضرائب عند الشحن ومن تسديد للرسوم الجمركية. وبالتالي، من سيدفع الثمن في نهاية المطاف هو المواطن العادي، وليس أي أحد آخر، وتحديدًا الطبقة المتواضعة الدخل، وما تبقّى من الطبقة المتوسّطة الدخل، والآخذة بالاضمحلال أكثر فأكثر.

أكثر من ذلك، إنّ الارتفاع المتوقّع للأسعار يعني حُكمًا حُصول موجة تضخّم جديدة، كما حصل مرارًا وتكرارًا في السابق، يعني أنّ كل الزيادات التي سينالها القطاع العام-والتي هي بالنسبة إلى هذه الفئة من العاملين غير كافية ولا منصفة، ستُمتَصّ مع مرور الوقت، وستُصبح في خبر كان بسبب التضخّم المُرتقب والذي سيدفع ثمنه القطاع الخاص بالدرجة الأولى، بسبب بقاء رواتبه من دون أي تحسين، في حين ستكون فترة استفادة العاملين في القطاع العام محدودة جدًا، حيث سيسبق غلاء الأسعار المكاسب المحدودة المُحقّقة بفعل الزيادة الجزئية على الرواتب! يعني عمليًا الدوران في حلقة مفرغة، من زيادة عشوائية للرواتب، تليها موجة غلاء مستشر، ومن ثم معايشة حالة من التضخّم التي ستتسبّب بتآكل قيمة رواتب أغلبية الموظفين والعاملين! هذا من دون أن نذكر أنّ عدد الشركات والتجّار الذين سيُحاولون التهرّب أكثر فأكثر من التقيّد بشروط التصريح بحجم مبيعاتهم سيزداد ويرتفع تهرّبًا من ضريبة القيمة المُضافة، وأولئك الذين سيُحاولون تهريب بضائعهم والالتفاف على الرسوم الجمركية سيتصاعد بدوره بنسبة كبيرة. وأمثلة الماضي القريب خير شاهد على ذلك.

في الخُلاصة، إنّ تكرار الخطأ نفسه، أو بشكل أدقّ الجنون أو الغباء نفسه، يقود إلى النتيجة عينها التي تحقّقت في السابق من دون أيّ تغيير! إنّها مُعادلة واضحة وثابتة، والتذاكي لا يُغيّر في صحّتها. من هنا، على الحكومة توقّع الارتدادات والانعكاسات والنتائج السلبية التي ستتأتّى عن قرارها والتي ستظهر تباعًا في المستقبل القريب، من دون أن ننسى الغضب الشعبي المتنامي أيضًا على كل المُشاركين بهذه القرارات العشوائية وغير المدروسة!.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا