صادمةً بدت استقالة وفيق صفا من موقعه في " وحدة الارتباط والتنسيق " في "ً حزب الله "، حتى لو بدأ التمهيد لها منذ أسابيع، عبر تسريباتٍ صحفيّة عديدة، بينها ما أشار إلى تباينات "جوهرية" في الأداء بينه وبين الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم . فمثل هذا الخبر لم يكن من الممكن أن تقتصر مقاربته على اعتبار تفصيلًا إداريًا عابرًا في حزب اعتاد أن يُخفي تبديلاته خلف ستار "الروتين التنظيمي"، أو "الشؤون الداخلية"، التي لا ينبغي طرحها أمام الإعلام.
ففي الأحزاب العقائدية-العسكرية، التي يندرج "حزب الله" في إطارها، أقلّه تاريخيًا، لا تُقاس التحولات بالأسماء وحدها، بل بالدور الذي كان الاسم يجسّده. من هنا، تبدو استقالة وفيق صفا أقل أهمية بوصفها "خبرًا" وأكثر أهمية بوصفها نهاية وظيفة بوجهٍ معيّن، فالمنصب الذي شغله لعقود لم يكن وظيفة بيروقراطية داخلية، بل نقطة تماس حساسة بين الحزب والدولة، بمهمّة إدارة العلاقة مع الدولة، عبر قناة واحدة تُمسك بتفاصيل الأمن والسياسة والاتصال والرسائل.
كان وفيق صفا الذي بدا أنّ "وحدة الارتباط والتنسيق" فُصّلت على مقاسه الشخصيّ، حتى بات في الكثير من المحطات، مرادفًا لها، يلعب أدوارًا عدّة في آن واحد داخل الحزب، وبينه وبين الدولة. فشكّل قناة خلفية مع الأجهزة،ومساحة تواصل مع الخصوم والحلفاء، وأداة إدارة اشتباك داخلي يتجاوز السياسة إلى الأمن، ويتجاوز العلن إلى ما تحت الطاولة.
لذلك، يصعب فصل هذا الخروج عن مشهدٍ أوسع لإعادة ترتيب المفاصل، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة . لكنّالاستقالة، وحدها، قد لا تكون كافية لشرح ما يجري. إلا أنّ السياق الذي أتت فيه يفعل، فبالتوازي، جاء خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم ليكشف عن نبرة سياسية مختلفة عمّا اعتاده ال لبنان يون في الأشهر الماضية، أو بالحدّ الأدنى أكثر هدوءًا، خصوصًا على مستوى "إدارة الخلاف" مع أركان الدولة، بدل تحويله إلى "صدام".
صحيح أنّ هذه اللغة لا تُقرأ بوصفها انقلابًا في الخيارات الاستراتيجية، ولكنّها تفتح باب الأسئلة، ومعها التكهّنات، ليس حول خلفيّات استقالة صفا ودوافعها، ولكن حولدلالاتها التي يمكن من خلالها استكشاف معالم مرحلة "ما بعد صفا"، إن صحّ التعبير، فهل ينتقل "حزب الله" فعلاً من مرحلة إلى أخرى، وما استقالة صفا سوى تعبير عمليّ عن ذلك؟
"وظيفة" وفيق صفا
لا يمكن فهم التحول الجاري داخل "حزب الله"، خصوصًا بعد استقالة وفيق صفا، من دون تعريف وظيفته كما تبلورت عمليًا. فالرجل، بحسب توصيفات متعددة، شكّل لأكثر من عقدين ما يمكن تسميته بـ"نموذج الرجل-القناة". فهو كان "واجهة" للتنسيق مع أجهزة الدولة، وممرًا لإدارة الملفات التي لا تُحلّ عبر المؤسسات، كما كان يتحدّث باسم الحزب حين لا يريد الحزب أن يتحدث رسميًا.
لم تكن هذه القناة "تنسيقية" فقط، بل كانت تختصر في مكان ما طريقة عمل الحزب في الداخل، ويمكن القول إنّها كانت بمثابة لغة إدارة للداخل، تتميّز بسرعتها وفعاليتها، خصوصًا في لحظات الأزمات والمحطات المفصلية. فعندما يحتدم نزاع سياسي، تُفتح القناة لتخفيف الاحتكاك أو لرفع منسوب الضغط، وعندما تُقفل الأبواب الرسمية، تُفتح الأبواب الخلفية. وعندما تتشابك ملفات الأمن والقضاء والسياسة، يصبح فصلها ترفًا، فتُدار بيد واحدة.
لكن ما كان ميزة في مرحلة معينة يمكن أن يتحول إلى كلفة متزايدة مع الزمن. فبعد الحرب وما تركته من خسائر واهتزازات وضرورة مراجعة منظومة الحماية والاتصال، يصبح "تعدد القنوات" مخاطرة، وتصبح "الشخصنة" عبئًا،خصوصًا في مرحلة تتطلب تقليل الاحتكاك مع الدولة والخصوم.
الحزب نحو "المركزية"
لا يعني تفكيك النموذج إنهاء الوظيفة، بل لعلّه يعيد تعريفها في مكان ما، عبر الانتقال من "سياسة تُدار بالأمن" إلى "سياسة برافعة أمنية مضبوطة"، حيث يُعاد تقديم السياسة في الواجهة، ويُسحب الأمن خطوة إلى الخلف. ليس المقصود هنا أنّ الحزب يتّجه إلى نوع من "الليونة" بالمعنى السياسي، ولكنّه يتمحور حول منطق إدارة جديد، خصوصًا أنّ مرحلة ما بعد الحرب تحتاج ضبطًا أعلى للإيقاع الداخلي، خصوصًا في ظلّ الضغوط الدولية المتصاعدة.
بهذا المعنى، تصبح "المركزية"، إن صح التعبير، استجابة لمعادلات جديدة تقوم على تقليل المرجعيات، وتوحيد الرسائل، حصر التقديرات الحساسة ضمن نطاق أضيق وأكثر انضباطًا. ويبدو هذا المنطق "منسجمًا" في مكان ما مع الحديث المتزايد عن تغييرات بنيوية داخل الحزب تمنح نعيم قاسم سيطرة إدارية أوضح على المفاصل، عبر إعادة ترتيب المواقع والواجهات التنفيذية والسياسية، بغضّ النظر عن الأسماء.
"المهادنة"... وظيفة جديدة؟
بين استقالة وفيق صفا، وخطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير، ثمّة الكثير الذي يُقال إمّا في العلن، أو خلف السطور، حول تحوّلات ليست بهامشية داخل "حزب الله". فخلال السنوات الماضية، اعتمد الحزب نمطًا تصاعديًا في إدارة العلاقة مع الدولة، وخصوصًا في الملفات المرتبطة بما يُعرف بـ"حصرية السلاح"، إذ كان الخطاب على الدوام مرتفع السقف، وكانت أدوات الضغط واضحة، بما يعكس ثقة بميزان قوى داخلي وإقليمي مريح.
إلا أن المرحلة التي أعقبت الحرب أظهرت أن هذا الميزان لم يعد بالثبات نفسه. فالحزب وجد نفسه أمام دولة تحاول إعادة تثبيت حضورها، وأمام ضغوط خارجية تربط أي دعم أو تسهيل مالي وسياسي بمسارٍ إصلاحي وأمني محدد. وبدا واضحًا أن استمرار نمط الاشتباك المفتوح قد يحمّل الحزب أثمانًا لا يرغب في دفعها الآن، وهو ما يفسّر ضمنًا خفض النبرة تجاه الدولة، وتثمين بعض خطواتها، وحتى ترك هامشٍ أوسع للمؤسسات كي تتحرك في ملفات حساسة.
يتجلّى ذلك بوضوح في خطاب قاسم الأخير، فحين يثمّن زيارة رئيس الحكومة إلى الجنوب ويصفها بالإيجابية، وحين يتحدّث عن "تنظيم الخلاف" مع رئيس الجمهورية، فالمغزى الأرجح ليس تبدّلًا جذريًا في التموضع تحت عنوان "المهادنة"، بل على الأرجح إعادة ضبط للإيقاع، من خلال تخفيف الاحتكاك المباشر، وإدارة الحساسية الداخلية، ومنع تشكّل جبهة سياسية واسعة في مواجهته في لحظة إقليمية دقيقة.
بهذا المعنى، يوجّه الشيخ قاسم رسائل وظيفية متعدّدة في وقت واحد، تتقاطع عند منطق عدم تحويل الخلاف مع الدولة إلى معركة وجودية، وإغلاق الباب أمام أي صدام داخلي شامل. من خلال خطاب "المهادنة" التي يصحّ وصفها بـ"المحسوبة"، يقول قاسم للبيئة الحاضنة أن الدولة ليست خصمًا يجب كسره الآن، ويؤكد للحكومة أن الحزب لا يريد قطيعة تُسرّع صدامًا داخليًا، كما يوجه رسالة للخارج ضمنًا بأن الحزب قادر على "إدارة الخلاف" بدل تفجيره.
محطات تاريخية كمرآة للتحول
عمليًا، يمكن فهم خروج صفا معطوفًا على خطاب المهادنة بوصفه تكتيكًا جديدًا يعتمده الحزب، كجزء من انتقال طبيعي في دورة الأحزاب، فحين تتغير المرحلة، تتغير أدواتها، ويُعاد توزيع الأدوار على نحو يقلّص التوتر ويزيد الانضباط.
ولعلّ تاريخ "حزب الله" نفسه يشهد على ذلك، حيث رسمت محطات عدّة انتقالاته عبر الزمن، وكان لكلّ منها ما يميّزها عن غيرها، ولو أنّها جميعًا تتقاطع على تغليب منطق المقاومة.
ففي مرحلة التأسيس قبل العام 1992، كانت الأولوية هي الجبهة وبناء التنظيم، وبالتالي كانت السياسة في خدمة الوظيفة القتالية، بمعنى أنّ الداخل اللبناني كان بالنسبة للحزب ساحة بوظيفة تكميلية، هي خدمة وظيفة المقاومة.
في مرحلة ما بعد العام 1992، بدأ الانتقال التدريجي إلى الازدواجية إن صحّ التعبير، عبر الموازنة بين المقاومة والعمل السياسي الرسمي، خصوصًا مع الدخول إلى مجلس النواب. هنا، بدأت تظهر الحاجة إلى إدارة الداخل بشكل أكثر احترافًا، لأن الحزب صار جزءًا من لعبة توازنات لا من خارجه.
مع تحرير الجنوب في العام 2000، بدأ الدور الداخلي بالاتساع، مع توسّع الجمهور والتوقعات ونمو شبكة الخدمات والتنظيم. هنا، اتسعت الحاجة إلى أدوات داخلية لإدارة الاحتكاك السياسي.
شكّل العامان 2005 و2006 نقطة تحوّل في مسيرة الحزب، مع اشتداد الاستقطاب السياسي في الداخل، فضلًا عن تعاظم الاشتباك الداخلي والإقليمي، وهو ما ترجِم بتداخل الأمن والسياسة بدرجات أعلى.
وقد مهّد ذلك لما يمكن وصفه بمرحلة الانخراط الإقليمي اللاحق، مع تعدّد الجبهات التي شارك الحزب فيها، وهو ما أدّى إلى تضخم الكلفة السياسية والاقتصادية.
أما المرحلة الحالية، التي بدأت بعد حرب 2024، التي كانت "الأوسع كلفة" على الحزب بالمطلق، فيمكن اعتبارها مرحلة انتقالية من "التمدد" إلى "الترميم" ومن منطق المبادرة إلى ضبط الإيقاع.
ضمن هذه القراءة، يصبح خروج صفا جزءًا من محاولة الانتقال من نموذج يقدّم "الأمن السياسي" كأداة إدارة داخلية، إلى نموذج يحاول إعادة تقديم السياسة كواجهة، من دون أن يعني ذلك أنّ الحزب غيّر خياراته وتكتيكاته.
تعديل تكتيكي أم بداية تحوّل؟
يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما نشهده اليوم هو تعديل تكتيكي لامتصاص الضغوط، أم بداية مسارٍ أطول يعيد تعريف علاقة "حزب الله" بالدولة اللبنانية؟
التجربة السابقة تشير إلى أن الحزب بارع في إدارة المراحل الانتقالية، وفي الفصل بين التكتيك والاستراتيجية.غير أن خصوصية المرحلة الحالية تكمن في تداخل الضغوط الداخلية بالإقليمية، وفي حقيقة أن هامش المناورة لم يعد واسعًا كما كان. ولذلك، فإن أي تغيير في السلوك أو البنية لا يمكن عزله عن إدراكٍ بأن البيئة المحيطة تتبدل بسرعة.
قد لا يكون الحزب في طور "مراجعة فكرية" شاملة، لكنه بالتأكيد في طور إعادة تموضع دقيقة، بحيث يحاول أن يحافظ على الثوابت، فيما يعيد ترتيب الأدوات، من دون أن يفقد موقعه وحيثيته.
المصدر:
النشرة