تأتي المفاوضات غير المباشرة بين
واشنطن وطهران في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع قلق متزايد لدى عواصم المنطقة من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. وفي ظل هذا المناخ، لم يعد مسار التفاوض تفصيلاً دبلوماسياً، بل أداة لإدارة التوتر ومنع تحوّله إلى حرب شاملة، خصوصاً مع ازدياد المؤشرات على ضغوط إقليمية مباشرة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة.
وفي إطار التحضيرات للجولة المرتقبة من المفاوضات غير المباشرة، جرى نقل مسار التفاوض من
تركيا إلى سلطنة عُمان. ووفق مصادر دبلوماسية مطّلعة فإنّ هذا الانتقال شكّل قراراً سياسياً أثار امتعاض الجهات
التركية ، التي اعتبرته إخراجاً متعمّداً للمسار من دائرة نفوذها. وفي هذا السياق، ترى المصادر أن رفع السقف الأميركي في اللحظة الأخيرة عبر تسريبات عن احتمال إلغاء المفاوضات، لم يكن مؤشراً على قرار بالتصعيد بقدر ما كان محاولة لتحسين شروط التفاوض قبل انطلاقه، في وقتٍ تحرّكت فيه دول المنطقة واضعة ثقلها لمنع انهيار المسار. فالضغط الذي سبق تثبيت قرار عقد الجولة في مسقط لم يكن تفصيلاً، بل جاء نتيجة قلق إقليمي متزايد من كلفة أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة، وهو ما عكسته سلسلة الاتصالات الطارئة التي بادرت إليها تسع دول في المنطقة تجاه واشنطن، خشية من حرب لا يملك أحد ترف إدارتها. ولعلّ هذا الإصرار الإقليمي على إبقاء المسار حيّاً كشف أن خيار التهدئة لم يعد شأناً ثنائياً، بل بات مطلباً جماعياً لدول تدرك أن أي فشل سيتحوّل ناراً عابرة للحدود.
في المقابل، لم تتعامل
إيران مع المسار التفاوضي بوصفه تنازلاً، بل كجزء من إدارة دقيقة للإيقاع السياسي. وفي هذا الإطار، جاء الإعلان عن موعد الجولة، على لسان
وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي، كرسالة تثبيت مباشرة بأن العملية التفاوضية مستمرة ضمن شروط محددة. ووفق المصادر نفسها، فإنّ داخل هذه الشروط، برز مطلبان أساسيان وبشكل محدد: رفع
العقوبات ، وإبعاد الأساطيل وأدوات الضغط العسكرية، في تأكيد واضح على أن طهران لا تفاوض تحت التهديد، بل تسعى إلى خفضه كمدخل لأي مسار تفاوضي جدي.
وبالعودة إلى خلفيات اختيار مسقط كمكان للمفاوضات، لا يمكن قراءة الانتقال من إسطنبول كخطوة إجرائية محايدة. إذ إن ما جرى يندرج في إطار إعادة تموضع سياسي محسوب، يهدف إلى إخراج المفاوضات من ساحة إقليمية مثقلة بتقاطعات المصالح إلى إطار أكثر قابلية للضبط. فمسقط، تاريخياً، شكّلت قناة تواصل موثوقة تسمح بإدارة الملفات الحساسة بعيداً عن تأثيرات اللاعبين الإقليميين المباشرين. وفي هذا السياق، لم يكن الخروج من إسطنبول انسحاباً من وسيط، بقدر ما كان تحييداً لساحة لم تعد تناسب طبيعة المرحلة.
من جهة اخرى، يعكس هذا التمركز في مسقط رغبة إيرانية واضحة في حصر الوساطة ومنع أي تدويل مبكر للمسار، أو إدخال أطراف بملفات جانبية قد تربك الإيقاع التفاوضي. فكلما ضاق مسرح التفاوض، ازدادت قدرة التحكم بمساره وتوقيته، وهي معادلة تدركها إيران جيداً، كما تدركها عواصم إقليمية ترى في الإطار العُماني ضمانة مؤقتة لا بديل عنها في هذه المرحلة.
وعليه، لا يُقاس المشهد بميزان نجاح الجولة أو فشلها، بقدر ما يُقرأ من زاوية من يفرض حدود الاشتباك، إذ إن ما تبلور حتى الآن يشير إلى قدرة دول المنطقة على تثبيت سقف يمنع الانزلاق نحو الانفجار، في مقابل اضطرار واشنطن إلى التعامل مع هذا السقف كأمر واقع، ولو مرحلياً، من دون أن يحمل ذلك دلالة انتصار لطرف أو هزيمة لآخر، بل تعبيراً عن ترجيح خيار ضبط الصراع على فتحه في الظرف القائم.
في الخلاصة، ستقود مسقط واحدة من أكثر المفاوضات حساسية خلال هذا العقد، بعد موافقة الإدارة الأميركية وفي توقيت إقليمي شديد التعقيد. غير أن الرهان الأساسي لا ينصبّ على نتائج سريعة أو تسويات قريبة، بل على ما إذا كان هذا الإطار قادراً على الصمود كقناة تواصل مفتوحة وسط ضغوط متعارضة ومصالح متشابكة. فاستمرار المسار بحد ذاته بات مؤشراً على توازن دقيق لم يُكسر بعد، وعلى لحظة لا تزال فيها خيارات التصعيد مؤجَّلة، وغير محسومة.