آخر الأخبار

الحكومة تناقض نفسها بنفسها

شارك
هي مرّة ولا كل المرّات، التي يجد فيها اللبناني، مقيمًا كان أم مغتربًا، نفسه في ضياع انتخابي لا مثيل له. وهي المرّة الأولى، التي يُدعى فيها المواطنون إلى انتخابات غير واضحة المعالم، خصوصًا أن هذه الدعوة جاءت بعد مشروع القانون المعجّل، الذي أرسلته الحكومة إلى مجلس النواب، تطالبه فيه بضرورة إدخال بعض التعديلات على قانون الانتخاب الحالي، مع الأسباب الموجبة، التي تعلّل استحالة إجراء هذه الانتخابات إن لم يجرِ مجلس النواب هذه التعديلات، ولاسيما في ما يتعلق بحق المغتربين بالتصويت لنوابهم الـ 128، وبالبطاقة الممغنطة و"الميغاسنتر".
فإذا كانت الحكومة، بوزاراتها الثلاث: الداخلية والبلديات، والخارجية والمغتربين، والعدل، ترى استحالة إجراء هذه الانتخابات إن لم تُجرَ التعديلات المطلوبة، فكيف أجاز وزير الداخلية دعوة الهيئات الناخبة وتحديد 1 و3 و10 أيار المقبل موعدًا لهذه الانتخابات، قبل البت بهذه التعديلات؟ وكيف يمكن التوفيق بين قرار إداري يدعو إلى الانتخابات، ومشروع قانون حكومي يقول عمليًا إن هذه الانتخابات غير قابلة للتنفيذ بصيغتها الحالية؟ أليس في ذلك تناقض صريح يضع الحكومة في موقع الالتباس أمام مواطنيها؟
المشكلة هنا ليست تقنية فقط، بل تمسّ جوهر الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالانتخابات ليست إجراءً روتينيًا، بل هي الركن الأساسي في شرعية النظام السياسي. وعندما تُدار بهذا القدر من الضبابية والخفّة واستغباء الناس، فإن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج معًا هي أن الدولة نفسها غير متأكدة من قواعد لعبتها الديموقراطية.
أما المغترب اللبناني، الذي يُفترض أن يكون شريكًا كامل الحقوق في العملية الانتخابية ، فيجد نفسه مرة جديدة رهينة التجاذب الداخلي. يُقال له إن صوته مهم، ثم تُربط مشاركته بسلسلة شروط تقنية لم تُنجز بعد. وهكذا يتحول حقه الدستوري إلى مادة تفاوض سياسي، بدلًا من أن يكون ثابتة لا تخضع للمساومة.
والأخطر من كل ذلك أن استمرار هذا التناقض الحكومي من شأنه أن يفتح الباب أمام سيناريوهين كلاهما سيئ: إما انتخابات تُجرى على عجل ومن دون تجهيزات كافية، فتفقد جزءًا من صدقيتها، وإما تأجيل يُسوَّق بذرائع تقنية بعدما جرى رفع سقف التوقعات. وفي الحالتين، فإن الخاسر الأول والأكبر هو المواطن، الذي يزداد اقتناعًا بأن العملية الانتخابية تُدار بمنطق التسويات لا بمنطق القواعد الواضحة.
وفي قلب هذا الالتباس كله، يبرز العامل الذي تخشاه قوى الأمر الواقع أكثر من أي شيء آخر، وهو الصوت الاغترابي، الذي يشكّل "بعبعًا" بالنسبة إلى البعض. فهذا الصوت ليس شأنًا إجرائيًا بحتًا، بل هو عنصر تغييري أساسي وحقيقي لما له من قدرة على قلب التوازنات في أكثر من دائرة انتخابية. فاللبناني المنتشر في العالم ينظر إلى وطنه من مسافة وجع، لكنه أيضًا ينظر إليه من زاوية محاسبة لا تعرف المجاملات المحلية. ولذلك فإن أي محاولة لتقييد مشاركته أو ربطها بشروط تقنية غير جاهزة يمكن أن تُقرأ سياسيًا على أنها خوف من مدى تأثيره على مجريات العملية الانتخابية برمّتها، ولا تُقرأ بالطبع على أساس الحرص على سلامة العملية الانتخابية.
فالانتخابات المقبلة لن تكون مجرد استحقاق دستوري دوري ، بل اختبار لما تبقى من قدرة اللبنانيين على إحداث فرق عبر صناديق الاقتراع. وإذا كان الداخل مثقلًا بالضغوط والاصطفافات، فإن الخارج يمتلك هامشًا أوسع للتصويت الحر. ومن هنا تحديدًا تكمن خطورة العبث بقواعد اقتراع المغتربين، لأنه عبث بفرصة نادرة لإعادة ضخ دم جديد في الحياة السياسية.
لهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على موعد الانتخابات، بل على معناه. فإمّا أن تكون انتخابات تُعيد إنتاج الطبقة ذاتها عبر التضييق على الأصوات التغييرية، وإمّا انتخابات تفتح الباب أمام توازن جديد يفرض محاسبة طال انتظارها. والصوت الاغترابي قد يكون بيضة القبّان في هذه المعادلة. تجاهله أو تهميشه ليس خطأ إداريًا، كما بات واضحًا أمام الجميع، بل هو قرار سياسي له ثمن سيظهر يوم الفرز.
فاللبنانيون لا يطلبون معجزات. بل جلّ ما يريدونه هو انتخابات بقواعد واضحة، وقرارات منسجمة مع ذاتها، وحكومة تقول الشيء نفسه في القانون وفي الممارسة. أمّا أن تبقى الصورة الانتخابية بهذا الغموض والالتباس فإن ما وراء الأكمة ما وراءها. وهذا ما كشفته عملية التصويت على الموازنة العامة في مجلس النواب، إذ يتأكد للقاصي وللداني، يومًا بعد يوم، أن هذه الحكومة بما فيها من تناقضات جوهرية وبنيوية، هي حكومة " الثنائي الشيعي " من دون منازع. أما ما عدا ذلك، فيبقى مجرد الدوران في دوائر مفرغة لن تقود سوى إلى الفشل الذريع.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا