تحت سماء الجنوب التي لا تكاد تُشرق إلا وصوت طائرة حربية أو طائرة مُسيّرة يُخرق هدوءها، يعيش السكان معضلة لا تشبه حديث الصحف فقط، بل واقعًا يوميًا يلامسهم في البيوت والشوارع والأسواق.
منذ وقف إطلاق النار بين
لبنان وإسرائيل، لم يتحول هذا القسم الجنوبي من البلاد إلى "سلام"، لكنه ببساطة إلى حرب غير معلنة لا تتوقف. كل التقارير تؤكد استمرار الضربات الجوية
الإسرائيلية شبه اليومية على بلدات وقرى في الجنوب، مع سقوط قتلى وجرحى، وتوسع رقعة الاستهدافات رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
في
النبطية وكفرتبنيت وسواهما من المناطق، ما زالت المقاتلات تضغط على الزناد رغم أن الحرب الرسمية "انتهت" منذ أشهر.
الغارات التي أطلقتها
إسرائيل مؤخراً كانت كافية لإسقاط
شهداء وإصابة عدة آخرين في قضاء النبطية، ما يذكر الناس بأن الهشاشة الأمنية لم تفارق حياتهم.
وسط هذا المناخ، تحكي العائلات قصصها بصوتٍ خافت لكنه عميق. إيناس طحيني، امرأة في سبعينيات عمرها، جلست في أحد مراكز الإيواء في صور بعدما تضرّر منزلها في عيتا الشعب بشكل بالغ إثر القصف. قالت إن عائلة الثلاثة أطفال لم تعد تعرف متى سيكون لديها مالٌ يكفي لكي تنتقل من "جدران المدرسة المهترئة" إلى شقة مستقلة، مع غياب أي دخل ثابت أو أمل في عودة مستقرة إلى البيت.
في قرية دير سريان على الحدود، مثال آخر للصمود: حسين كريم، 58 عامًا، يرفض مغادرة أرضه رغم أن غالبية سكان قريته نزحوا. يقول إنه "ما بيترك أرضي، هذا رزقي وشغلي" مع أن كثير من أشجار المحاصيل التي ورثها عن أبائه دمّرت بفعل القصف. إنه يشترط العيش "هنا أو الموت هنا"، لكن حتى قوته لم تعد تكفي لتغطية أساسيات الحياة.
أصوات مثل صوت زهراء راضي من حولا تنقل وقع الصدمة الجماعية: الخوف ليس مجرد لحظة على إثر انفجار، بل هاجس يومي مرتبط بهوية المكان والبيت والذاكرة التي تخشى أن تُسرق منها الأجيال.
اقتصادٌ على حافة الانهيار
الأمر لا يتوقف على العنف وحده. منذ الأزمة الاقتصادية التي بدأت في لبنان قبل 2019، انهارت الليرة وسقطت الطبقة الوسطى وارتفع الفقر لمعدلات قياسية. هذا الانهيار طال الجنوب بوجه خاص، حيث الأسواق الصغيرة والمحلات التجارية تقع تحت وطأة شبح القصف والركود في آنٍ معًا. الموظفون ورجال الأعمال في الجنوب يروون عن تراجع الطلب على السلع، ونقص السيولة، وصعوبة تحريك عجلة التجارة حتى في الأيام التي يسودها هدوء مؤقت.
وسط هذه العقدة، ينتظر الأهالي دفعات من مجلس الجنوب، الهيئة التي تأسست لتعويض المتضررين من النزاع وتحفيز التنمية في المنطقة. الناس يتطلعون إلى أن توفر هذه الدفعات أموالاً لتسيير السوق المحلية وإعادة حركة التجارة، ومدّ يد
العون للمشاريع الصغيرة التي أغلقت أبوابها. في دول كثيرة في أزمة، تكون السيولة الحقيقية هي ما يُعيد الاقتصاد إلى الحياة؛ في
جنوب لبنان ، هذا الانتظار تحول إلى أمل معلّق على قرارات ربما تستغرق أكثر مما يتحمله الناس.
بينما تقف العائلات أمام شهر
رمضان الذي
بات على الأبواب، ويرمز إلى التضامن والتشارك على موائد الإفطار، تبدو الصورة مختلفة هذه السنة: ميزانيات أصغر، طلبات أساسية أعلى، وأسر تلتف حول بعضها لتحمل أعباء الافتتاحيات الرمضانية البسيطة. ورغم هذا الواقع الصعب، تعكس شهادات عديدة قدرة اللبنانيين على التحمل، غير أن السؤال الأكبر يبقى عن قدرة المؤسسات الرسمية — بما فيها مجلس الجنوب — على ترجمة هذا الصمود إلى دعم اقتصادي ملموس يحرك الأسواق ويخفف من وطأة الأزمة.