آخر الأخبار

ماذا تعني عودة الميكانيزم الى الحياة بالنسبة الى لبنان؟

شارك

عادت لجنة " المكيانيزم " الى الحياة مجددا بعد ان كانت في غرفة العناية الفائقة، جراء الخلافات الداخلية التي دبّت فيها (اميركا وإسرائيل في وجه فرنسا )، ورغبة تل ابيب في الانتقال بسرعة الى المفاوضات المباشرة. هذه العودة هي بمثابة مؤشر سياسي يعكس إعادة ترتيب أولويات الأطراف المعنية بالملف اللبناني.

الواقعية تفرض الاعتراف بأن اللجنة تحوّلت، في هذه المرحلة، إلى الإطار الوحيد الممكن لإدارة التفاوض غير المباشر بين لبنان واسرائيل، بعيداً عن العناوين الكبرى التي أثبتت عجزها عن إنتاج حلول. هذا ما يفسّر التفاهم الواضح بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري على ضرورة الحفاظ على اللجنة وتفعيلها، ليس لأنها مثالية أو متكاملة، بل لأنها المتاح الوحيد في لحظة انسداد. هذا التفاهم، الذي يجمع بين موقعين لطالما تباينت حساباتهما، يعكس إدراكاً مشتركاً بأن البديل عن اللجنة ليس خياراً أفضل، بل الوقوع في فراغ تفاوضي قد تستثمره إسرائيل لفرض وقائع أحادية على الأرض، او للدفع بالقوة او بالضغط الدبلوماسي والاقتصادي، لمفاوضات مباشرة لا يبدو لبنان مستعدأً لها حالياً.

ضمن هذا السياق، لا يمكن التعامل بخفة مع كلام المسؤول المدني اللبناني في اللجنة سيمون كرم ، الذي قال كلاماً مهماً يدخل في اطار عدم تعاون حزب الله مع الجيش اللبناني، وهو يظهر إرادة واضحة بأن المسار التفاوضي المتبع مستقل تماماً عن الحزب وسياساته ومواقفه، ولا يمكن لاحد (إسرائيل او الصقور في الإدارة الأميركية) الإشارة الى عكس ذلك.

في غضون ذلك، يخيّم ترقّب حذر لما ستؤول إليه المفاوضات المرتقبة بين إيران و الولايات المتحدة . لا سيما ان التجارب السابقة علّمت اللبنانيين أن أي تفاهم، مهما بدا بعيداً جغرافياً، يترك بصمته على بيروت والجنوب والحدود. البنود التي قد يتم الاتفاق عليها، سواء تعلقت بالملف النووي أو بنفوذ ايران الاقليمي، ستنعكس حكماً على هامش حركة حزب الله، وعلى مقاربة المجتمع الدولي للوضع اللبناني. من هنا، تبدو لجنة "المكانيزم" وكأنها مكلّفة بإبقاء الأمور على حالها وإدارة الازمة لتمرير الوقت، فقط لا غير.

من جهتها، تجهد فرنسا للعودة إلى الساحة مجدداً من خلال مؤتمر دعم الجيش المرتقب الشهر المقبل في باريس، وهي تسعى إلى إعادة تقديم نفسها كضامن للاستقرار، عبر المؤسسة العسكرية تحديداً. والمشاركة الواسعة المتوقعة في المؤتمر تشير إلى توافق دولي على أولوية دعم الجيش، ليس فقط كقوة أمنية، بل كعمود فقري لأي تسوية داخلية مقبلة بغض النظر عن موقف حزب الله الذي لا يزال يشكّل العقدة الأكثر حساسية، فموقفه الرافض لتسليم السلاح يعارض الواقع القائم على الأرض والذي يشير إلى تضاؤل فرص الاحتفاظ بهذا السلاح خارج إطار تسوية شاملة. التوافق المحلي يتوسع، والإقليمي ينحسم، والدولي بات أكثر رسوخاً في هذا الاطار. ومع ذلك، يدرك الحزب أن أي تنازل في هذا الملف لن يكون قراراً لبنانياً صرفاً، بل جزءاً من سلّة تفاهمات أوسع مع إيران، ما يعيد ربط المسار الداخلي اللبناني بالمفاوضات الاقليمية والدولية.

وعليه، شكّلت استعادة "المكيانيزم" حيويتها مؤشراً مهماً واظهرت ان لبنان، كالعادة، يقف على تقاطع المصالح، محاولاً أن يحوّل ما تبقى من أدوات تفاوضية إلى فرصة لتخفيف الخسائر، لا لتحقيق انتصارات كلامية، ويجب العودة الى المنطق والواقعية مهما كانت النتيجة، فالخسارة واقعة لا محالة انما العمل يجب ان ينحصر بكيفية الحد منها والخروج بما يمكن إنقاذه وركوب قطار التغييرات في المنطقة، الذي ربما قد يحوّل مساره بعد سنوات قريبة او بعيدة، ولكن لا يمكن للبنانيين الاستمرار في الانتظار على المحطة في انتظار القطار المناسب الذي قد لا يصل، لان الخسائر تتراكم والأوضاع تزداد حدة، والحلول لا تزال غائبة.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا