في ظلّ الاحتقان العسكري الكبير في المنطقة على وقع التهديدات الأميركية المتلاحقة ضُد إيران ، ومن قبل طهران ضُدّ خُصومها، تتجه الأنظار إلى ما سيَنجم عن جولة التفاوض المرتقبة بين الفريقين. فما هي المعلومات المتوفّرة في هذا الشأن، وما هي طبيعة الضربة على إيران في حال فشلت المفاوضات!.
أوّلاً: المفاوضات ستكون قصيرة، بمعنى أنّه في حال وجود فرصة فعليّة للتوصّل إلى تسوية قد تعقد أكثر من جولة، لكن ضُمن هامش زمني ضيّق يستمرّ لبضعة أسابيع كحدّ أقصى وليس لأشهر طويلة أو سنوات.
ثانيًا: واشنطن سترفع سقف مطالبها لتعود وتُخفّضها، وستُوسّع شروطها لتعود وتحصرها، تمهيدًا للتوصّل إلى تسوية، بينما طهران تعمل جاهدة على حصر المفاوضات بالملف النووي فقط لا غير، وترفض كليًا أن يطال النقاش صواريخها الباليستية والدعم الذي تُقدّمه لقوى مُسلّحة تدور في فلكها في المنطقة.
ثالثًا: إيران مُستعدّة لتقديم تنازلات على مستوى ملفّها النووي، وهي مُستعدّة للتخلّي بشكل كبير عن هذا البرنامج الشائك، في حال كانت هذه الخطوة سترفع عنها العزلة السياسية وكل أنواع العقوبات القتصادية والمالية.
رابعًا: واشنطن -وبغضّ النظر عن الرأي الإسرائيلي المُتشدّد- يمكن أن تكتفي بانتزاع تنازلات إيرانية في الملف النووي، في حال كانت عبارة عن تخلّ تام وكلّي عن البرنامج النووي، وعن تسليم كميّات اليورانيوم المُخصّب، حتى لوّ من دون تحقيق نتائج مهمّة في باقي الملفّات. وهي يُمكن أن تُسوّق هذا الأمر كانتصار لها، وأن تتبنّى بالتالي تسوية مرحلية جديدة مع إيران، خاصة في حال ترافقت التنازلات الإيرانية في الملف النووي، مع استعداد مثلًا لتقييد برنامج تطوير الصواريخ الباليستية المتوسّطة والبعيدة المدى، على صعيدي كميّة الإنتاج والمسافة التي يُمكن أن تطالها هذه الصواريخ.
أمّا في حال فشل الجهود في التوصّل إلى تسوية، فاحتمال الضربة العسكرية سيكون عندها مرتفعًا، بمجرّد أن تُعلن الجهات العسكرية الأميركية المعنية جاهزيّتها التامة للمعركة، والجهات العسكرية الإسرائيلية والحليفة الأخرى استكمال الدفاعات ضُدّ الصواريخ والتي تمّ نشرها وتعزيزها مُقارنة بما كان الوضع عليه السنة الماضية خلال المواجهة الأخيرة مع إيران. والسيناريوهات المطروحة متنوّعة، وسيكون على الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاختيار من بينها، وأبرزها:
أوّلاً: توجيه ضربة عسكرية مفاجئة وشاملة، على أمل عدم الدخول في معركة استنزاف تتضمّن الكثير من الجولات، وبالتالي الكثير من الردود الإيرانية. وهذا السيناريو، إن حصل، سيشمل تدمير كامل القطع البحرية الإيرانية بالدرجة الأولى، تمهيدًا لفرض حصار بحري قاس جدًا على إيران، لمنعها من تصدير أو حتى تهريب أيّ كميّات من النفط. وهو سيدخل في سياق مسار يقضي بزيادة الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تعانيها حاليًا لتُصبح أكثر شدّة وقساوة. وهذه الضربة الخاطفة لن تقتصر على السلاح البحري، بل ستطال مجموعة واسعة من المرافق العسكرية والأمنية، إن التابعة للجيش الإيراني أو الحرس الثوري، بغرض إضعاف قدرتهما على السيطرة الأرض، تمهيدًا لتحضير الميدان لموجة احتجاجات مُعارِضَة جديدة.
ثانيًا: توجيه سلسلة من الضربات الهجوميّة على مراحل، تبدأ بموجة اغتيالات وتدمير لقدرات الدفاع الجوّي الإيراني، على غرار تلك التي شنّتها إسرائيل خلال المواجهة الماضية، وتتواصل هذه المرّة عبر التركيز على ضرب كل ما له علاقة بالصواريخ الباليستية الإيرانية، من مخازن تحت الأرض، مرورًا بقواعد ومنصّات إطلاق ثابتة ومتحرّكة، وُصولًا إلى أنظمة التوجيه والقيادة. لأنّ إفقاد إيران فعالية صواريخها الباليستية يعني تجريدها من أي قُدرة على الرد أو التأثير في مجريات أي معركة، بحيث تُصبح في موقع مُتلقّي الضربات! ثم تمتد الهجمات لتشمل كل ما له علاقة بالشأن العسكري، من مطارات ومراكز أبحاث وتطوير وقواعد وثكنات ومقرّات أمنية رئيسة، إلخ.
ثالثًا: شنّ حرب مفتوحة بهدف إسقاط النظام الإيراني، لا يكون هناك فيها أي سقف، لا على مستوى عمليات التصفية والإغتيال، ولا من حيث وتيرة الضربات وكثافتها، من دون استبعاد تشجيع جهات عسكرية على الانشقاق، والعمل استخباريًا على إثارة حالات التمرد في مختلف أنحاء البلاد.
الأيّام المُقبلة حاسمة لتحديد الوجهة التي ستأخذها الأمور، والأكيد أنّ أيّ قرار يُتّخذ، أكان لجهة التوصّل إلى تسوية ونوع هذه التسوية، أو خوض الحرب ودرجة تصاعد هذه الحرب، سيترك انعاكاسات كبرى على كامل منطقة الشرق الأوسط ، وكذلك على الوضع اللبناني الداخلي ومصير " حزب الله ".
المصدر:
النشرة