آخر الأخبار

زيارة قائد الجيش إلى واشنطن: ما المنتظر منها أميركيًا.. ولبنانيًا؟

شارك
بدأ قائد الجيش العماد رودولف هيكل زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية، انطلاقًا من تامبا بولاية فلوريدا، حيث عقد اجتماعات تسمح بتنسيق عسكري دقيق مع قيادة المنطقة الوسطى الأميركية، قبل أن يتوجّه إلى واشنطن العاصمة لعقد لقاءات مع مسؤولين في الخارجية الأميركية، وأعضاء في الكونغرس، وفعاليات لبنانية مقيمة، وهي لقاءات تكتسب بعدًا سياسيًا مكثّفًا، خصوصًا أن الزيارة لا تأتي في سياق روتيني أو بروتوكولي.
فإذا كان صحيحًا أنّ الزيارة تحمل عمقًا عسكريًا يرتبط باستمرار التعاون الأمني والتنسيق في ملفات الحدود وتثبيت الاستقرار، فإنّ هذا البعد ليس سوى "الظاهري"، إذ إنّ أهمية الزيارة تكمن في بعدها السياسي المكثّف، إذ لا يمكن فصلها عن التوقيت السياسي "الدقيق" الذي يمرّ به لبنان ، والذي تتقاطع فيه الضغوط الخارجية مع انسداد داخلي مزمن، ومع تحوّلات إقليمية تعيد رسم الأولويات الأميركية في المنطقة.
عمليًا، تأتي الزيارة في ظلّ توترات إقليمية متصاعدة، على وقع قرع طبول الحرب مع إيران ، ما يُخشى أن يكون له انعكاسات مباشرة على الساحة اللبنانية ، ولكن أيضًا في ظلّ النقاشات "الساخنة" في الداخل حول حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ولا سيما أنّ الجيش يفترض أن يضع هذا الشهر "خطة تنفيذية" للمرحلة الثانية، مع ما تحمله من "ثقل سياسي" ربطاً بجغرافيا شمال الليطاني، فما المُنتظر من هذه الزيارة؟ ماذا تريد أميركا منها.. وماذا يستطيع لبنان؟
دلالات السياسة في قلب الزيارة
الزيارات السابقة لقادة الجيش إلى واشنطن عادةً ما كانت محصورة في البعد العسكري بحت، لكن زيارة الهيكل هذه المرة تأتي في زمن تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع الملفات الأمنية. فالولايات المتحدة تنتظر من لبنان، وبخاصة من الجيش، موقفًا أكثر وضوحًا في عزف نغمة حصرية السلاح، في ظل ربط واشنطن للمساعدة العسكرية بتقدّم الملف السياسي والأمني. كما أنّ الخطاب الأميركي الراهن يعطي الزيارة طابعًا سياسيًا؛ إذ لا تُقدّم أي مساعدات للمؤسسة العسكرية اللبنانية من دون "موافقة صريحة" وإعادة تقييم العلاقة في ضوء المستجدّات. وهذا ما يحوّل الحديث عن التعاون العسكري إلى نقاش سياسي مباشر في واشنطن .
إلى ذلك، تأخذ زيارة هيكل مكانها في سياق إقليمي ملتهب، حيث تتداخل التهديدات الأميركية تجاه إيران، والمواجهات الإسرائيلية على الحدود، مع تطورات الداخل اللبناني السياسي والأمني. ومن هذا المنطلق، قد تساعد الزيارة في تحديد مستوى المساعدات الأميركية للجيش، بما في ذلك شكل دعم تعزيز الانتشار في الجنوب والشمال؛ لكن ذلك مرهون بقدرة لبنان على توحيد مواقفه السياسية.
الثابت هنا بحسب ما يقول العارفون، إنّ الخطاب الأميركي المتصل بالملف لا يقتصر على الجوانب العسكرية فحسب، بل يتضمن رسائل سياسية ضمنية، سواء عبر التشديد على شرط حصرية السلاح، أو عبر العمل على إعادة صياغة آليات التعاون مثل "الميكانيزم"، أو آلية مراقبة وقف الأعمال العدائية، بعد تجميد لعملها بات واضحًا أنّه "متعمّد"، بانتظار تبلور آليات جديدة في ضوء مخرجات هذه الزيارة والاستحقاقات المرتقبة بعدها.
ماذا تريد واشنطن من الجيش؟
استنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول الولايات المتحدة لا تنظر إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية باعتبارها شريكًا تقنيًا فحسب، بل كرافعة محتملة لإعادة ترتيب المشهد اللبناني، أو على الأقل لضبطه ومنع انهياره الكامل. ومن هنا، تبدو الزيارة محمّلة بأسئلة تتجاوز ملف المساعدات والتجهيزات، لتطال دور الجيش في المرحلة المقبلة، وحدود هذا الدور، وما إذا كان مطلوبًا منه أكثر مما يستطيع تحمّله سياسيًا ووطنيًا. وبهذا المعنى، لا يمكن مقاربة هذه الزيارة عبر اختزالها في عنوان "دعم الجيش"، وكأنّ هذا الدعم مسلّم به أو منفصل عن السياق السياسي.
ويوضح العارفون إنّ المقاربة الأميركية تبدو اليوم أكثر تشدّدًا من أيّ وقت مضى، إذ إنّ المطلوب بالنسبة إلى واشنطن ليس فقط جيشًا قادرًا على حفظ الأمن، بل مؤسسة قادرة، أو على الأقل مستعدّة، للتموضع داخل رؤية أوسع لحصرية السلاح وضبط الحدود وتنفيذ التزامات لبنان جنوبًا ولو تدريجًا. وفي هذا السياق، تحاول واشنطن إعادة تفعيل آليات التنسيق القائمة، ولكن بصيغة مختلفة، وهو ما يفسّر إصرارها على إدخال البعد المدني-الدبلوماسي إليها، في محاولة لانتزاع الملف من حصره العسكري، وربطه مباشرة بمسار الدولة ككل .
على الضفة اللبنانية، يدرك قائد الجيش أن هامش المناورة محدود. فالجيش لا يستطيع أن يكون بديلًا عن الدولة، ولا أن يتحمّل وحده أثقال تسويات سياسية مؤجّلة. وفي الوقت نفسه، لا يمكنه تجاهل حقيقة أن استمرارية الدعم الخارجي باتت مرتبطة بتوقّعات تتجاوز مهمته التقليدية . وهنا تحديدًا تكمن المعضلة، للحفاظ على موقعه كعامل توازن داخلي، من دون الانزلاق إلى موقع طرف في صراع سياسي داخلي أو إقليمية، وفي الوقت نفسه طمأنة واشنطن من دون استفزاز قوى داخلية ترى في أي التزام إضافي مقدمة لتطويقها أو استهدافها سياسيًا.
هكذا، لا تبدو زيارة قائد الجيش إلى واشنطن منعزلة عن التطورات السياسية والأمنية في لبنان والمنطقة. إنها اختبار سياسي-استراتيجي لمدى قدرة المؤسسة العسكرية على لعب دور يتجاوز البعد الأمني التقليدي، وقدرة الدولة على حمايته من صراعاتها الداخلية.
لكن، بين ما تريده واشنطن وما يستطيع لبنان تقديمه، يقف الجيش في مرحلة رمادية دقيقة، يحاول فيها تثبيت الاستقرار من دون أن يتحوّل إلى عنوان مواجهة. لذلك، فالأرجح أن نتائج الزيارة لن تظهر فورًا، ليبقى السؤال الأهمّ: هل ينجح لبنان هذه المرة في استثمار موقع الجيش كفرصة، أم يكرّر عادته في تحميله ما لا يحتمل؟

لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا