مع انتهاء المرحلة الأولى من خطّة الجيش في المنطقة الجغرافية الواقعة جنوب نهر الليطاني، وهي المنطقة التي كانت حتى الأمس القريب مركز ثقل بالنسبة إلى " حزب الله " كعقيدة مقاوِمة ضد إسرائيل على مدى أربعة وأربعين سنة، هل يمكن القول إن هذا الدور قد انكفأ، وأن المواجهة الكبرى، التي أُعدّ لها طوال هذه السنوات قد انتقلت إلى مكان آخر، أو أنها متروكة لظروف أفضل قد تكون مؤاتية في حال شنّت كل من أميركا وإسرائيل حربًا وجوديًا ضد إيران ، خصوصًا أن الشيخ نعيم قاسم قد أعلن صراحة أن "الحزب" لن يقف على الحياد في هذه الحال، وسيشارك بطريقة أو بأخرى في هذه الحرب، التي لا تعني بطبيعة الحال لبنان الرسمي لا من قريب ولا من بعيد.
في هذا السياق لا يمكن للمرء التعامل مع هذا الحدث على أنه إجراء أمني تقني أو تفصيلي. في الواقع، إن "حزب الله" أمام تحوّل سياسي-عسكري بالغ الدلالة، قد يمسّ جوهر الدور الذي اضطلع به على مدى أربعة وأربعين عامًا، حين تحوّل الجنوب إلى مركز ثقل عقيدته القتالية، ومنصّة اشتباكه المفتوح مع إسرائيل.
المنطقة التي كانت حتى الأمس القريب تُقدَّم بوصفها "خط الدفاع الأول" عن الجنوب أولًا، وعن كل لبنان ثانيًا، ولو نظريًا، باتت اليوم خاضعة لإدارة ميدانية مختلفة، تحت فيء
العلم اللبناني ورايات الجيش، وبسقف سياسي وأمني واضح تحدّده الدولة
اللبنانية ، ولو تحت ضغوط خارجية معروفة. وهذا الواقع يفرض طرح سؤال جوهري، وهو: هل نحن أمام مشهد انكفاء فعلي لدور "حزب الله" جنوب الليطاني، أم أمام إعادة تموضع مرحلية في انتظار لحظة إقليمية مؤاتية؟
المؤشرات لا توحي بأن الحزب تخلّى عن عقيدته أو غيّر من قناعته بالنسبة إلى الصراع الوجودي مع إسرائيل. لكنّ ما تغيّر هو مسرح الاشتباك وتوقيته. فالمواجهة التي جرى الإعداد لها لعقود، والتي كان يُفترض أن تنطلق من الجنوب، لم تعد متاحة في الظروف الحالية، لا ميدانيًا ولا سياسيًا، خصوصًا بعد الكلفة الباهظة التي تكبّدها لبنان نتيجة قرار فتح جبهة الإسناد في 8 تشرين الأول عقب عملية "طوفان الأقصى".
تلك المغامرة كانت نتائجها كارثية: مئات الشهداء، قياديون من الصف الأول، تدمير شامل لقرى الحافة الأمامية، تشريد عشرات الآلاف من العائلات الجنوبية التي لا تزال حتى الساعة بلا مأوى، أسر مقاتلين، واحتلال مباشر لخمس تلال تعتبرها إسرائيل استراتيجية لأمنها
الشمالي . كل ذلك من دون أي مكسب استراتيجي للبنان، ولا حتى لـ "المقاومة" نفسها.
اليوم، ومع انتهاء المرحلة الأولى جنوب الليطاني، يبدو واضحًا أن المواجهة الكبرى لم تُلغَ، بل أُرجئت أو نُقلت إلى ساحة أخرى. وهذا ما يفسّر بوضوح مواقف
الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، الذي أعلن صراحة أن الحزب لن يقف على الحياد في حال تعرّضت إيران لهجوم أميركي-إسرائيلي، معتبرًا أن المعركة في هذه الحال "وجودية".
وفي رأي بعض المراقبين السياسيين أنه وإن كان الجنوب قد خرج، ولو مرحليًا، من دائرة الاشتعال، فإن انخراط "حزب الله" في حرب إقليمية دفاعًا عن إيران يعني أن كل لبنان سيكون ساحة مفتوحة، من دون استثناء. حرب كهذه لن تكون حرب إسناد، بل حرب تدمير شامل، يدفع ثمنها اللبنانيون جميعًا، دولةً ومجتمعًا واقتصادًا، فيما لبنان الرسمي لا علاقة له بها لا من قريب ولا من بعيد.
الأخطر من ذلك، أن البيئة الحاضنة للحزب لم تعد كما كانت. فالتململ بات ظاهرًا، والصبر بدأ ينفد، خصوصًا لدى العائلات التي دفعت أثمانًا فادحة من دم أبنائها، ومن بيوتها وأرزاقها وكرامتها، من أجل حروب لا ترى لها أفقًا ولا مردودًا. هذه البيئة نفسها بدأت تطرح أسئلة كانت محرّمة سابقًا: إلى متى؟ ولمصلحة من؟ ولماذا يُطلب من لبنان دائمًا أن يكون صندوق بريد أو ساحة تصفية حسابات إقليمية؟
إن انتهاء المرحلة الأولى جنوب الليطاني لا يعني نهاية المشكلة، بل بداية مرحلة أكثر حساسية. فالدولة اللبنانية أمام امتحان تثبيت سيادتها، و"حزب الله" أمام مأزق وجودي بين الالتزام بخيارات إقليمية تتجاوز لبنان، وبين واقع داخلي لم يعد يحتمل مغامرات جديدة. أمّا اللبنانيون، فهم مرة جديدة أمام خطر أن يُزَجّ ببلدهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فيما ما تبقّى من وطن يتآكل بصمت.