لم يكن ظهور جماعة مسلّحة تُعرّف عن نفسها باسم “ الفهود السود ” خلال تظاهرة مناهضة ل وكالة الهجرة والجمارك في مدينة فيلادلفيا حدثًا أمنيًا معزولًا، ولا مشهدًا احتجاجيًا تقليديًا، بل بدا أقرب إلى رسالة سياسية قاسية موجّهة إلى قلب النظام الأميركي، فالشارع يعود ليكون لاعبًا مباشرًا في معادلة السلطة، بعدما تآكلت الثقة بمؤسسات الحكم وآليات التمثيل التقليدية.
ويأتي هذا الظهور في لحظة سياسية دقيقة تشهد فيها الولايات المتحدة تصاعدًا غير مسبوق في الاستقطاب بين الدولة ومكوّنات واسعة من المجتمع، وهو أمر غذّته سياسات الرئيس دونالد ترامب القائمة على التشدد في ملف الهجرة، وتوسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون، واعتماد خطاب يقوم على منطق القوة أكثر من منطق التسوية السياسية. ووفق هذا السياق، لم تعد الاحتجاجات مجرّد أدوات ضغط مدنية، بل تحوّلت لدى بعض الجماعات إلى فعل مواجهة مباشرة مع الدولة.
سياسيًا، تبدو إدارة ترامب كأنها تدفع البلاد نحو إعادة إنتاج نموذج “الدولة الصلبة”، حيث يُقدَّم الأمن كقيمة عليا تتقدّم على الحريات الفرديّة. وهذا التحوّل العمودي في فلسفة الحكم ينعكس بوضوح في طريقة التعاطي مع المهاجرين، ومع الأقليات، ومع كل من يُصنَّف خارج الإطار الضيّق لما يُسمّى بــ“الأميركي النموذجي” وفق الخطاب الرسمي السائد. ومن هنا، فإن بروز جماعات تحمل السلاح في الشارع ليس سوى نتيجة طبيعية لمسار سياسي يرى فيه خصوم ترامب أن السلطة التنفيذيّة لم تعد تكتفي بإدارة الخلاف، بل باتت تُعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية من طرف واحد.
الأخطر في هذا المشهد أن الانقسام لم يعد محصورًا بين حزبين أو تيارين، بل أصبح عموديًا بين من يثق بالدولة كمرجعية نهائيّة، ومن يعتبرها أنّها هي من تحوّلت إلى مصدر تهديد، وهذه المعادلة تضع النظام السياسي الأميركي أمام اختبار وجودي: فإمّا استعادة منطق التوازن بين الأمن والحريّة وهو ما لا يبدو أنّه سيعود اليها في المدى المنظور بسبب تشدّد ترامب، وإمّا الانزلاق التدريجي نحو مجتمع مأزوم تحكمه ردود الفعل لا المؤسسات، وهنا يمكن الجرح الأكبر، والّذي قد يؤدي الى مختطر جمّة نتيجة التغييرات الحاصلة.
اجتماعيًا، يحمل صعود جماعات مثل “الفهود السود” دلالات تتجاوز البعد العرقي التقليدي الذي ارتبط تاريخيًا باسم الحركة. فالقضية اليوم لم تعد محصورة في الأميركيين من أصل إفريقي، بل تمتد إلى كل الفئات التي تشعر بأنها مستهدفة أو مهمَّشة في ظل السياسات الحالية، وفي مقدّمها المهاجرون والفقراء وسكّان الضواحي المنسيّة.
الإحساس المتنامي بالظلم، وغياب الثقة بالقضاء، والخوف من أجهزة الدولة، كلّها عناصر تصنع بيئة خصبة لتحوّل الغضب الاجتماعي إلى تنظيمات ذات طابع شبه عسكري وأمني وهذا ما لاحظناه خلال تواجد الـ"الفهود السود" خلال بعض المظاهرات. وهذه البيئة لا تنتجها لحظة واحدة، بل تتراكم عبر سنوات من الإقصاء واللغة الاستفزازية والتعامل مع الأزمات بمنطق العقاب لا بمنطق الحلول.
في هذا السياق، يمكن القول إن “الفهود السود” ليست ظاهرة مستقلة بحد ذاتها، بل أحد أعراض مرض أعمق يضرب الجسد الأميركي من خلال أزمة هوية سياسية واجتماعية في آنٍ واحد. أزمة تسأل بحدة: من هو الأميركي؟ وما هي حدود الدولة؟ وأين تنتهي سلطة القانون وأين تبدأ حقوق المواطن؟.
ليبدو الجواب واضحًا على هذه الأسئلة بأّنه لن يُحسم في الشارع وحده، ولا عبر مزيد من القبضة الأمنية، بل من خلال مراجعة شاملة للمسار السياسي الذي سلكته الولايات المتحدة في السنوات الماضية. فإما أن تعود السياسة إلى دورها كمساحة لإدارة التنوّع والخلاف، وإما أن يبقى الشارع مسرحًا مفتوحًا لصراعات مرشّحة لأن تكون أكثر حدّة وتعقيدًا في المرحلة المقبلة.
وبالرغم من أن اسم “الفهود السود” يذكّر بالحركة الشهيرة التي تأسست عام 1966 للدفاع عن حقوق الأميركيين من أصل افريقي، فإن الحركة الحديثة ليست امتدادًا تنظيميًا مباشرًا للحزب التاريخي الأصلي. ومع ذلك، فهي تستلهم رمزيته بشكل واضح، وتذهب في خطابها السياسي والاجتماعي بعيدًا عن التصوير النمطي البسيط.
ويتزعم الجماعة الحديثة رجل يدعى بول بيردسونغ من فيلادلفيا، وظهر أعضاؤها في مظاهرات مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك، مؤكدين دعمهم لقضية ريناني كول بيت، التي قُتلت أثناء احتجاج في مينيابوليس ، وأعلنوا أنهم موجودون لحماية المتظاهرين من “ترهيب الدولة”.
تؤكد الجماعة أنها تستلهم إرث “الفهود السود” الأصلية التي تأسست في الستينيات، وتستند إلى توجيهات من بعض الأعضاء التاريخيين الذين ما زالوا على قيد الحياة. كما تشير إلى تنفيذ برامج مجتمعيّة، من بينها توزيع الطعام المجاني أسبوعيًا، وتركيزها على مبدأ الدفاع المسلّح عن النفس في مواجهة ما تعتبره تجاوزات الدولة.
الظهور الّذي كان يعجّ بشكل كبير في سياق الاحتجاجات الراهنة ذكرته وسائل إعلام غربية بوصفه أن الانتشار العنيف في مدينة منيابوليس أعاد الى الأجواء ذكريات الحرب الأهلية الأميركية ، ما يدلّ على عمق الانقسام الداخلي.
الى ذلك برز خلاف داخل السجال الأميركي نفسه حول هذه الجماعات الحديثة. فبينما يصف ناشطون بعضها بأنها استلهام مشروع لردع العنف الحكومي ، يحذر آخرون من التشبّه بالأسماء تاريخيًا دون فهم سياقها، ويشير موقع “ريدِت” إلى وجود اختلافات بين مجموعات تسمّي نفسها“Black Panthers”، ولا يمكن اعتبار كل منها استمرارًا للحزب الأصلي، وأن بعضها له توجهات مختلفة تمامًا.
فـ“الفهود السود” الأصلية التي تأسست في الستينيات لم تكن مجرد ميليشيا مسلحة، بل كانت حركة ثوريّة واسعة ذات برنامج اجتماعي وسياسي قائم على ما عُرف بـ “ البرنامج ذي النقاط العشر ”، الذي طالب بالحرية والعدالة الاجتماعية وإنهاء وحشية الشرطة، إضافة إلى برامج رعاية اجتماعية في المجتمعات المهمشة. وقد كانت في صلب رفض التمييز البنيوي في المجتمع الأميركي وقتذاك.
المصدر:
النشرة