يعود الجدل مجدداً حول دور رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وتأثير أي تغيير محتمل في هذا الموقع على الاقتصاد الأميركي ، وعلى سعر الدولار ، وبالتالي على أسعار الذهب عالمياً. هذا الجدل لا يقتصر على الأوساط الأميركية، بل يمتدّ تأثيره إلى اقتصادات هشّة ك لبنان ، حيث يتحول أي تغييرّ في السياسة النقدية الأميركية إلى عامل ضاغط أو داعم مباشر للسوق المحلي، وخصوصاً لسوق الذهب.
يُعتبر الاحتياطي الفيدرالي حجر الزاوية في النظام المالي العالمي، نظراً إلى الدور المحوري الخضراء كعملة احتياط دولية. ورئيس البنك الفيدرالي لا يدير مؤسسة تقنيّة فحسب، بل يرسم من خلال قراراته وتوجهاته الإطار العام للسياسة النقدية الأميركية، سواء عبر تحديد أسعار الفائدة، أو إدارة السيولة، أو الإشراف على النظام المصرفي. ويُعتبر أي تبدّل في هذا الموقع عملياً، تغييراً في فلسفة إدارة الاقتصاد الأميركي ككل.
اقتصادياً، تنعكس سياسات رئيس الفيدرالي مباشرة على قوّة الدولار. فالتشدد النقدي ورفع أسعار الفائدة يؤديان إلى تعزيز جاذبية العملة الأميركية واستقطاب رؤوس الأموال، فيما يؤدّي التيسير النقدي أو خفض الفائدة إلى إضعاف العملة الخضراء، ودفع المستثمرين للبحث عن بدائل تحوطّية، في مقدمتها الذهب. من هنا، فإن العلاقة بين الفيدرالي والذهب ليست مباشرة، لكنها ثابتة عبر قناة الدولار وأسعار الفائدة.
في هذا الإطار، يُطرح السؤال حول قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كما يهدّد دائمًا، أو أي رئيس آخر، على استبدال رئيس الاحتياطي الفيدرالي. عملياً، يتمتع هذا المنصب باستقلاليّة قانونيّة واضحة، إذ يُعيَّن رئيس الفيدرالي لولاية محدّدة ولا يمكن عزله بسهولة إلا لأسباب قانونيّة استثنائيّة. هذه الاستقلاليّة تهدف إلى حماية السياسة النقديّة من التقلبات السّياسية، لكنّها لا تمنع التأثير غير المباشر عبر الضغط الإعلامي أو اختيار توجهات مستقبليّة عند انتهاء الولاية.
أما تبعات تغيير رئيس الفيدرالي، فتتجاوز مجرد تبديل أسماء. فالأسواق الماليّة تعيد تسعير توقعاتها فور ظهور أيّ إشارات إلى تغيير في النهج النقدي من أسواق السندات، وأسعار الفائدة طويلة الأجل، وسعر صرف الدولار، إذ تتفاعل كلها مع هوية الرئيس الجديد وخلفيته الاقتصادية. وفي كثير من الأحيان، يكفي تغيير الخطاب أو التوجه المتوقع لإحداث تحركات ملموسة في الأسواق العالميّة.
بالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه التطورات بعداً أكثر حساسية. فالاقتصاد اللبناني، في ظل الانهيار النقدي والمصرفي، بات شديد الارتباط بسعر الدولار النقدي وبأسعار الذهب. ومع غياب أدوات الادخار التقليديّة، تحوّل الذهب، وخصوصاً الليرة الذهبية ، إلى ملاذ أساسي للمدخرات الفرديّة. وبالتالي، فإنّ أي ارتفاع عالمي في أسعار الذهب، ناتج عن ضعف الدولار أو سياسات نقدية أميركيّة أكثر مرونة، ينعكس فوراً على السوق اللبناني بارتفاع أسعار الليرات الذهبيّة وزيادة الطلب عليها.
في المقابل، لا تخلو هذه العلاقة من مخاطر. فأيّ تشدّد مفاجئ في السياسة النقدية الأميركيّة، أو تعيين رئيس للفيدرالي يتبنى نهجاً صارماً في مكافحة التضخّم، قد يؤدّي إلى تصحيحات في أسعار الذهب عالمياً. وهذا السيناريو، وإن كان محدود الأثر على المدى القصير، قد ينعكس تراجعاً نسبياً في أسعار الذهب محلياً، ما يضع المدّخر اللبناني أمام تقلبات إضافيّة في سوق يفترض أن يكون ملاذاً آمناً.
في المحصّلة، لا يُعدّ تغيير رئيس الاحتياطي الفيدرالي حدثاً إدارياً معزولاً، بل محطة مفصليّة في مسار الاقتصاد العالمي. وفي بلد كلبنان، حيث فقدت السياسة النقدية المحلّية دورها، تتحول قرارات الفيدرالي الأميركي إلى عامل غير مباشر لكنه حاسم في تحديد سلوك الأفراد، واتجاهات الادخار، وأسعار الذهب التي باتت مرآة لأزمة ثقة عميقة قبل أن تكون مجرد سلعة قابلة للتداول.
المصدر:
النشرة