بعد أشهرٍ من الترقّب والتأجيل، أُفرج عن مؤتمر دعم الجيش ،في توقيتٍ بالغ الدقّة، يتقاطع مع تطوّرات أمنيّة وسياسيّة إقليميّة ضاغطة، ومساعٍ دوليّة لإعادة ضبط المشهد الأمني في
لبنان ، في سياقٍ يرتبط بملف حصر السلاح. وعلى رغم ما يحمله انعقاد المؤتمر من دلالات اهتمامٍ دولي بدعم لبنان ومؤسّساته، فإنّ أسئلة جوهريّة تُطرح حول توقيته وحدود مفاعيله، ولا سيّما لجهة تحويل الوعود المعلنة إلى التزامات عمليّة تؤمّن للجيش العتاد والتجهيزات اللازمة، وتمكّنه من ترسيخ الأمن والاستقرار، على كامل الأراضي اللبنانيّة وعلى امتداد الحدود الدوليّة.
خلف التوقيف: استكمال المهمة جنوب الليطاني وتفكيك أباطرة المخدرات
لعبت فرنسا دورًا أساسيًا في الدفع نحو عقد المؤتمر، لا سيّما بعد أن برهن الجيش عن مستوى عالٍ من الصدقية في إحكام انتشاره في المنطقة الفاصلة بين مجرى نهر الليطاني والحدود
اللبنانية –
الفلسطينية ، إذ لا يمكن قراءة توقيت المؤتمر بمعزل عن استكمال الجيش للمرحلة الأولى من خطّة حصرية السلاح، والتأكيد على الالتزام بالمرحلة الثانية، وفق ما رأى الخبير العسكري والاستراتيجي الدكتور عادل مشموشي في حديث لـ "
لبنان 24 "، لافتًا إلى أنّ هذه الصدقية شكّلت دافعًا للجنة الخماسية للسير قدمًا بدعم الجيش. مشيرًا إلى أنّ العامل الثاني يتمثّل في تبيان محدوديّة إمكانات الجيش، وعدم كفايتها لإنجاز عملية الانتشار على كامل الأراضي اللبنانية، ما يظهرالحاجة إلى تعزيز قدراته لوجستيًّا وماليًّا، وتأمين تسليح مستدام،يمكّنه من تنفيذ المهام المطلوبة منه، خصوصًا في ظل اضطلاعه بدور مزدوج على صعيد الأمن الداخلي، إلى جانب الأجهزة الأمنية، وفي ظلّ حالة عدم الاستقرار السائدة على الحدود الشمالية والشرقية مع
سوريا .
كما أنّ مؤتمر دعم الجيش يهدف كذلك إلى تمكين الجيش من تنفيذ قرار السلطة الإجرائيّة القاضي بحصر السلاح بيد الأجهزة النظامية اللبنانية، العسكريّة والأمنيّة منها. وفي هذا الإطار، أشار مشموشي الى تريث في تنفيذ حصريّة السلاح بانتظار تجاوب
إسرائيل مع التزاماتها، ولا سيّما الانسحاب من التلال الخمس التي لا تزال تحتلّها، وإطلاق سراح الأسرى، ووقف الخروقات "إذ أنّ
التزام لبنان الكامل بتعهداته في ظل استمرار الانتهاكات
الإسرائيلية ، من شأنه أن يضعف أوراق الضغط اللبنانية، لا سيما في ظل التملّص
الإسرائيلي المتكرر من التزاماته، بالتوازي مع غياب إرادة أميركيّة واضحة، بوصفها الراعي الأساسي للاتفاق، للضغط على إسرائيل لتنفيذه.عامل آخر خلف توقيت المؤتمر، لا يمكن إغفاله، يرتبط بصورة غير مباشرة، بالإنجازات الكبيرة التي حقّقها الجيش في مكافحة شبكات المخدرات، وهو ما لاقى إشادة سعودية واضحة".
هل يشهد مؤتمر باريس تسييلا لتعهدات الدعم؟
تحضيرًا للمؤتمر، تعمل قيادة الجيش على إعداد تقارير دقيقة بحاجاتها، خصوصًا أنّ اجتماعًا تحضيريًّا قد يعقد في منتصف شباط في الدوحة، لكن ذلك لا يعني أنّ الوعود الدوليّة التي قد تنتج عن مؤتمر باريس، ستترجم أموالًا ومساعدات فوريّة، خصوصًا إذا ما استكملت المنظومة الدوليّة مسار ضغوطها على لبنان، ربطًا بخطوات عمليّة في المرحلة الثانية من الخطة. في السياق رجّح مشموشي أن يشهد المؤتمر تأكيدًا سياسيًا ومعنويًا على دعم الجيش اللبناني، حتى لو لم يُترجم ذلك فورًا بدعم مالي كبير، ولم يستبعد أن يُرجأ الدعم المالي الفعلي إلى مؤتمر لاحق، على أن يُخصَّص المؤتمر الحالي لعرض الخطوات التي أنجزها الجيش، وخطّته المستقبلية، وتأكيد الدعم المعنوي والسياسي، مع تعهّد الدول المشاركة بتوفير الدعم المادي واللوجستي والعسكري في مرحلة لاحقة، معتبرًا أنّ انعقاد المؤتمر في
السعودية ، لو حصل، كان سيمنحه زخمًا إضافيًا، لما يحمله من دلالة على موافقة سعودية ضمنيّة على المشاركة في التمويل "تربط المملكة العربية السعودية دعمها للجيش بحصر السلاح بالأجهزة النظاميّة، وستبادر من تلقاء نفسها إلى تقديم الدعم بعد استكمال عملية تسليم السلاح. كما أنّ حصر السلاح يجب أن يشمل التنظيمات العسكرية غير اللبنانية، بما فيها حركة «حماس» وباقي الفصائل الفلسطينية بكلّ مسمّياتها، ولا بدّ من اعتماد برنامج زمني واضح لسحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، إذ لا مبرر لأيّ تأخير في جمع السلاح الفلسطيني".
دعم الأمن الداخلي لتمكين الجيش من مهمامه الأساسيّة
لن يقتصر المؤتمر على دعم الجيش، بل يشمل كذلك الأجهزة الأمنيّة الأخرى لاسيّما قوى الأمن الداخلي، وبذلك أوضح مشموشي أنّ الجيش والأجهزة الأمنية يشكّلون منظومة متكاملة، وأنّ دعم الأجهزة الأمنيّة يمكّنها من الاضطلاع بمسؤوليات الأمن الداخلي، ما يسمح للجيش بالتفرغ لمهمّته الأساسيّة في حماية الحدود الجنوبيّة والشرقيّة والشماليّة، ومنع أي تسلّل للمقاتلين أو الأسلحة. كما أنّ تعزيز الأجهزة الأمنيّة يساهم في الحدّ من الجريمة، ويكرّس ما نصّ عليه الدستور اللبناني واتفاق الطائف، لجهة حصر دور الجيش بالدفاع عن الاعتداءات الخارجية، خصوصًا أنّ انغماس الجيش في النزاعات الداخليّة يشتّته عن واجباته الأساسيّة.
اسرائيل العائق الأكبر أمام حصريّة السلاح
تبقى إسرائيل العائق الأبرز أمام استكمال مهمة حصر السلاح، بحيث تتعامل مع المرحلة وكأنّها غير معنيّة بتطبيق التزاماتها في اتفاق وقف اطلاق النار، وتتعاطى مع كلّ استحقاق بمنطق التصعيد، عبر توسيع دائرة الضربات والاستهدافات. وأبعد من ذلك تعمل على التشكيك بالنتائج التي أنجزها الجيش جنوب الليطاني. من هنا تتطلب مواجهة التهديدات الإسرائيليّة العمل على مسارين متوازيين، وفق مقاربة مشموشي، دعم الجيش من جهة، وتفعيل الدبلوماسية اللبنانية والاستفادة من العلاقات الدولية من جهة ثانية، للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية، وتكريس اتفاقية الهدنة الموقّعة عام 1949.
في المحصلة، يبدو أنّ مؤتمر دعم الجيش اللبناني يشكّل اختبارًا مزدوجًا لجدّية المجتمع الدولي في ترجمة تعهّداته، ولقدرة الدولة اللبنانية على فرض خيارها السيادي بتنفيذ التزاماتها الأمنية. وبين دعمٍ مشروط، وانتهاكات إسرائيليّة مستمرة، يبقى الرهان على بناء مؤسسة عسكريّة قويّة ومدعومة، بالتوازي مع تفعيل المسار الدبلوماسي، بما يحول دون تحويل الجيش إلى أداة إدارة أزمات داخليّة، ويثبّت دوره الأساسي كضامن للحدود والسيادة والاستقرار.