في السياسة اللبنانية ، ليست المشكلة دائمًا في "صحة الاتجاه"، بل في القدرة على تحويله إلى مسارٍ قابلٍ للقياس. لعلّ ملف "حصرية السلاح" هو النموذج الأسطع لذلك، وقد بات الكلمة الأكثر استخدامًا في لبنان ، منذ انطلاقة العهد ، إذ يتّفق كثيرون على المبدأ، لكنّ الاختلافات بدأت عند بحث التفاصيل من التوقيت إلى الظروف فالإيقاع، الذي يحاول أكثر من طرف أن يفرضه وفق أهدافه الخاصة، التي قد تلتقي مع الأهداف العامة، وقد تبتعد عنها.
اليوم، يعود الملف إلى الواجهة بوصفه سباقًا مع الوقت، لا سجالاً مع النوايا، وذلك عشيّة استحقاقات متلاحقة، يفترض أن يذهب إليها لبنان مسنودًا بخطط واضحة، أولها زيارة
قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى
واشنطن بين 3 و5 شباط، وثانيها مؤتمر
باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في 5 آذار، ما يجعل الفترة الفاصلة بين المحطتين أشبه بمرحلة انتقال سياسي: فما الذي سيحمله هيكل إلى
الأميركيين ؟ وما الذي سيعود به إلى طاولة باريس؟
لكن العقدة لا تقف عند حدود "الدعم" و"المساعدات". فبموازاة ذلك، يزداد الغموض حول مصير لجنة "الميكانيزم" التي تُستخدم كإطار للمتابعة والاتصال في الملفات المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، بعدما تسرّبت معطيات عن تجميد اجتماعاتها حتى الشهر المقبل، وعن أفكارٍ لتغيير إطار التفاوض أصلًا. هنا يصبح السؤال: هل المشكلة في "تنفيذ المرحلة الثانية" شمال الليطاني فقط، أم في "قواعد اللعبة" التي سيُدار بها هذا التنفيذ؟
دعم الجيش.. بين واشنطن وباريس
ليس تفصيلًا أن تكون واشنطن قد أعادت تثبيت موعد زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى
الولايات المتحدة ، في هذا الوقت تحديدًا، بعد تأجيلها في تشرين الثاني الماضي. فكما أعطي التأجيل يومها أبعادًا سياسية، من حيث التوقيت، تُعطى إعادة الجدولة أبعادًا أساسيّة أيضًا، وقد قرأ فيها كثيرون رسالة أميركية تقضي بتحويل الأسابيع المقبلة إلى "نافذة قرار"، تُختبر خلالها قدرة المؤسسة العسكرية والدولة على الانتقال من جنوب الليطاني إلى ما بعده ضمن خطة واضحة، وبمؤشرات ميدانية يمكن عرضها وتقييمها.
وبحسب المعطيات المتوافرة والتسريبات الصحافية المتداولة حول زيارة هيكل المرتقبة إلى واشطن، فإنّ الدعم الأميركي للجيش، وحاجاته في المرحلة الحالية، والتعاون بين الجيشين، ستشكّل بمجملها بنودًا أساسية على جدول اللقاءات في واشنطن. لكن ما يعطي الزيارة وزنًا مضاعفًا هو ارتباطها المباشر بمؤتمر باريس في 5 آذار، أي أنها تأتي كحلقة وصل بين "الملف الأمني" و"الملف السياسي-المالي"، وتحديدًا ما يحتاجه الجيش كي ينتشر، وما يحتاجه لبنان كي يقنع الشركاء بأن الدولة تمسك بالمسار بدل أن تُجرّ إليه.
من هنا، تتقدّم عبارة "شمال الليطاني" لتصبح العنوان العملي للمرحلة. بعض التسريبات تتحدث عن
التزام ببدء خطوات مرتبطة بهذا العنوان، في وقتٍ يربط فيه كثيرون نجاح مؤتمر باريس بقدرة
الدولة على تقديم دليلٍ ملموس على أنّ الخطة لا تتوقف عند جنوب الليطاني. وبين واشنطن وباريس، يبرز أيضًا موعدٌ تمهيدي، منتصف الشهر المقبل، حين يعقد اجتماع تحضيري في لعاصمة القطرية الدوحة، تمهيدًا لمؤتمر باريس، وهو ما يوحي بأن الطبخة تُحضَّر على أكثر من نار، وبأن المطلوب "توحيد المعايير" قبل وضع الدعم على الطاولة.
"الميكانيزم".. خلاف على قواعد اللعبة؟
إذا كانت زيارة قائد الجيش إلى واشنطن محطة قياس، فإن
النقاش الأساسي الذي يقابلها، يتمحور حول "الميكانيزم"، في ضوء الغموض الذي يحيط بمصيرها، وهو غموض سياسي، وليس تقنيًا، خصوصًا في ظلّ ما يُحكى عن تجميد اجتماعاتها حتى الشهر المقبل، بالتوازي مع معلومات عن اقتراحات لإطار تفاوض مختلف برعاية أميركية. وهذا الأمر يفتح الباب أمام احتمال انتقال الملف من صيغة "متعددة المظلات" إلى صيغة أكثر أحادية، بحسب ما يقول مطّلعون.
وتزداد حساسية هذه النقطة مع ما يُنقل عن رسائل تربط عودة اللجنة للاجتماع بتنازلات لبنانية جديدة، وبمحاولة حصر النقاش في ملفات محددة (اقتصادية أو تقنية) بدل الملفات الأمنية والسيادية الثقيلة. عمليًّا، يقول العارفون إننا أمام معركة "تضييق هامش لبنان" داخل الإطار التفاوضي، علمًا أنّ المعادلة أضحت واضحة: فكلما ضاق الإطار، ارتفع سقف الشروط، وازدادت كلفة الوقت تلقائيًا.
لكن الداخل أيضًا يضغط بساعة لا تقل قسوة. نيابيًّا، تتقدم الموازنة إلى واجهة النقاش، مع حديث عن اقتراب انتهاء مناقشاتها في اللجان وانتقالها إلى الهيئة العامة، فيما تستعد البلاد لموسم انتخابي يجرّ السياسة إلى حسابات أقل استعدادًا لدفع أثمان قرارات صعبة. وفي الخلفية الاقتصادية، يقف مشروع "الانتظام المالي واسترداد الودائع" (المعروف بقانون "الفجوة المالية") كاختبار سياسي آخر ليس منفصلًا عن "مؤتمر باريس" ولا عن نظرة الخارج إلى الدولة.
ما بين 3 و5 شباط في واشنطن و5 آذار في باريس، ستُقاس المرحلة بلغة جديدة: لغة الجداول والخرائط والمؤشرات. الرهان ليس على خطابٍ أقوى، بل على "خطوة" قابلة للتثبيت شمال الليطاني، وعلى إطار تفاوض لا يتحول إلى فخّ أحادي، وعلى قدرة الداخل على عدم ابتلاع الأولويات الدولية في زحمة الموازنة والانتخابات والفجوة المالية.
إذا نجح لبنان في عبور الأسابيع المقبلة بأقل قدر من الارتباك، يمكنه أن يدخل باريس وهو يحمل "سردية دولة" لا "دفتر أعذار". وإذا فشل، سيعود الملف إلى نقطة يعرفها اللبنانيون جيدًا، وإن كانوا تعبوا من تبعاتها عليهم قبل غيرهم..