بين أن تُجرى الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، أي منتصف أيار المقبل، وبين إرجائها تقنيًا شهرين أو ثلاثة أشهر، أو إرجائها سياسيًا سنتين على أبعد تقدير، ثمة تساؤلات تدور في أروقة عواصم القرار، التي ترى في هذا الاستحقاق الدستوري الشعبي محطة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية ، عن الأسباب التي تحدو بالقوى السياسية اللبنانية إلى التوافق السلبي على تأجيل إجرائه في موعده.
ويسأل السائلون بالتالي عن الجهات المستفيدة من هذا التأجيل، وعن دوافعها، ومن هي الجهات المتضررة من حصول الانتخابات النيابية بعد أربعة أشهر من الآن.
فالجدل الدائر حول إجراء هذه الانتخابات في موعدها الدستوري لم يعد نقاشًا تقنيًا أو دستوريًا فحسب، بل تحوّل إلى معركة سياسية مكشوفة بين من يطالب بدولة منتظمة تحكمها المهل الدستورية والمؤسسات، ومن يفضّل الإبقاء على
لبنان معلّقًا في الهواء في انتظار التسويات الإقليمية. فكلما اقترب موعد هذا الاستحقاق الانتخابي كلما ارتفع منسوب التهويل الأمني، وكلما تكاثرت الذرائع اللوجستية، وكأن المشكلة في صندوق الاقتراع وليس في من يخشى ما يمكن أن يفرزه هذا الصندوق من نتائج.
وهنا يُطرح السؤال البديهي والتقليدي: من هي الجهة المتضرّرة من إجراء الانتخابات في موعدها؟ وللإجابة عن هذا السؤال المحوري لا بدّ من القيام بجولة أفق في آخر المعطيات، التي تغّلف الإطار السياسي لكل هذه الجهات مجتمعة ومتفرقة.
بداية هذه الجولة أولًا مع قوى السلطة التقليدية، التي شاركت في إدارة البلاد خلال سنوات الانهيار. فهذه القوى تدرك جيدًا أن المزاج الشعبي قد تغيّر جذريًا، من حيث القواعد
الانتخابية التي تفككت، أو من حيث الثقة التي تبخّرت، أو من حيث الشارع الناقم، الذي بات يرى في هذه الانتخابات محطة للمحاسبة وليس مناسبة ديمقراطية بحتة. فبالنسبة إلى هذه القوى فإن إجراء الانتخابات في موعدها هو مخاطرة بخسارة بعض المقاعد والنفوذ، فيما التأجيل قد يوفّر هامشًا لـ "شراء" الوقت وإعادة التموضع.
أمّا ثاني محطات هذه الجولة فهي مع "
حزب الله " وحلفائه، الذين لا يخشون من تسجيل أي خرق في "البلوك" الشيعي، بقدر ما يتطلعون إلى الانعكاسات السياسية، التي ستفرزها صندوقة الاقتراع.
فالانتخابات المنتظمة تعني إعادة فتح النقاش الوطني حول سلاح الحزب ودوره ووظيفته، وتعني تثبيت منطق الدولة والمؤسسات في لحظة إقليمية حساسة. من هنا، يصبح ربط الاستحقاق بالأوضاع الأمنية أو بمآلات الصراع الإقليمي أداة سياسية تهدف إلى إبقاء الساحة الداخلية في حالة انتظار. وهذا الانتظار يحتم على "الحزب" أخذ كل احتياطاته للحؤول دون إحداث أي خرق في الكتلة النيابية الشيعية، التي تضم نوابًا "صافيين" لـ "
الثنائي الشيعي". من هنا فإنه من مصلحة "حارة حريك" أن يصار إلى تأجيل سياسي لهذا الاستحقاق، أي لمدة سنتين على أقل تقدير ريثما تنقشع الغيوم السوداء المسيطرة على أجواء المنطقة.
أمّا ثالث محطة فهي مع قوى التعطيل والاستثمار في الفراغ، والتي تعيش عادة على تعطيل المؤسسات، وليس على البرامج. فهذه القوى تخسر تلقائيًا مع انتظام الحياة الدستورية، لأن الانتخابات تُسقط منطق التسويات الرمادية وتفرض معايير واضحة للمساءلة والتمثيل.
وبعد هذه الجولة السريعة يصبح السؤال بديهيًا عن الجهات، التي تسعى إلى إرجاء الانتخابات، خصوصًا أن ثمة "كلمة سر" قد سلكت طريقها لتعبر الجهات الأربع، عن إبقاء باب التأجيل مفتوحًا في انتظار الإعلان الرسمي، وذلك عبر التذرّع بالوضع الأمني غير المطمئن، أو بعدم الجهوزية التقنية الكافية، أو التحجّج بعدم رصد أموال تمويل هذه العملية. غير أن هذه الحجج سبق أن سقطت عمليًا في انتخابات عام 2022 التي أُجريت على رغم الانهيار المالي. وعليه، فإن أي محاولة للتأجيل اليوم لا يمكن فصلها عن حسابات سياسية دقيقة، تتقاطع بين أطراف تخشى المحاسبة وأطراف تربط الاستحقاق بالمسار الإقليمي، وبالتالي لا يمكن فصل معركة موعد الانتخابات عن معركتين متلازمتين: معركة سلاح "حزب الله" شمال الليطاني، ومعركة إعادة الاعتبار إلى رئاسة الجمهورية ودورها الدستوري. فإجراء الانتخابات في موعدها من المفترض أن يفرض إيقاع
الدولة على الجميع، ويمنح رئيس
جمهورية فرصة البناء على شرعية برلمانية متجددة. أما التأجيل، فيعني عمليًا تمديد الأزمة وتكريس واقع يقول إن القرار اللبناني ما زال رهينة موازين القوة خارج المؤسسات.
فإجراء الانتخابات النيابية في موعدها ليس عملًا إداريًا ولا ترفًا ديمقراطيًا، بل هو آخر ما تبقّى من مظاهر الدولة. ومن يخشى من هذا الاستحقاق، إنما يخشى من الناس ومن المحاسبة، ويخشى أن يقول اللبنانيون كلمتهم بوضوح. قد تكون المعركة الانتخابية هذه المرّة معركة على هوية لبنان.