نشر مركز مالكوم كير - كارنيغي للشرق الأوسط تقريراً جديداً قال فيه إن النقاش بشأن نزع سلاح "
حزب الله " في
لبنان يطال العراق.
التقرير الذي ترجمهُ "لبنان24" يقول إنه "في أعقاب الصراع الأخير بين حزب الله وإسرائيل، لم يعد سعي لبنان المستمر لفرض احتكار الدولة للأسلحة شأناً لبنانياً محضاً، ففي اليوم الأول من هذا العام، عندما حثّت الحكومة
اللبنانية الجيش على تأمين احتكار الأسلحة بأسرع وقت ممكن، وصاغ الرئيس جوزاف عون الهدف على أنه إعادة قرارات الحرب والسلام إلى الدولة، سمع السياسيون العراقيون شيئاً مألوفاً ويتمثل بشعار سيادي يُمكن أن يُصبح سريعاً ورقة ضغط سياسية".
وأضاف: "تعزز هذا الشعور في 8 كانون الثاني، عندما أعلن الجيش اللبناني إتمامه المرحلة الأولى من خطة الانتشار في كل أنحاء الجنوب، ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية، ومنعها من إعادة بناء قدراتها بشكل لا رجعة فيه. لقد دفعت هذه التصريحات مجتمعةً النقاش إلى ما هو أبعد من السياسة الداخلية اللبنانية، ليدخل حيز الأمن الإقليمي والتنفيذ الخارجي. وفي الواقع، رداً على بيان الجيش اللبناني، أكد مكتب رئيس الوزراء
الإسرائيلي ضرورة نزع سلاح حزب الله بالكامل. لقد بدا هذا الكلام للعراقيين أقرب إلى بنية أمنية مفروضة من الخارج منه إلى إصلاحات الحكم في لبنان".
وأكمل: "كما هو الحال في لبنان، يُطرح نقاش نزع السلاح في العراق غالباً من منظور صلاحيات الدولةـ وجاءت أوضح صيغة لهذا الطرح من رئيس المجلس الأعلى للقضاء العراقي، فائق زيدان، الذي زعم في الرابع من كانون الثاني أنه لا يوجد أي مبرر قانوني أو دستوري لحيازة السلاح خارج المؤسسات الرسمية للدولة".
وأضاف: "لقد كان المنطق واضحاً، فبعد هزيمة تنظيم داعش، كان من واجب العراق إعادة بناء مؤسساته السياسية والعسكرية وتطويرها، وهذا بدوره يتطلب اتخاذ قرارات موحدة، مع سيطرة
الدولة على الأسلحة بدلاً من سلاسل قيادة موازية. مع هذا، فقد أيّد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أيضاً حصر حيازة السلاح بالدولة، مُقدّمًا ذلك على أنه قرار سيادي
عراقي وليس استسلامًا لقوى خارجية. ولكن حتى في إطار السوداني، يتم تحقيق احتكار السلاح من خلال التفاوض مع أطراف قد تنسحب في أي لحظة".
وأكمل: "في الواقع، لا تُبدي جميع الفصائل المسلحة العراقية استعداداً للتفاوض، فالعديد من الفصائل الموالية لإيران في العراق لا ترفض نزع السلاح فحسب، بل منحت أسلحتها مكانةً شبه مقدسة. ولنتأمل بياناً صدر مؤخراً عن هيئة تنسيق المقاومة العراقية، وهي الهيئة التي تتحدث باسم قوات الحشد الشعبي، وهي منظمة جامعة تضم عدداً من الفصائل العراقية المسلحة، أبرزها الفصائل المدعومة من
إيران . فعلياً، فقد أعلن البيان أن أسلحة الحشد الشعبي مقدسة وغير قابلة للتفاوض حتى انسحاب القوات الأجنبية من العراق واستعادة البلاد سيادتها الكاملة. إن إعادة تعريف النقاش، بحيث يُعطى الأولوية للاحتلال والسيادة، ثم الحكم، باتت استراتيجيةً أساسيةً لمواجهة مساعي نزع السلاح".
وتابع: "يتأثر هذا النقاش أحياناً بعوامل خارجية، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ردود الفعل الغاضبة على تصريحات دبلوماسي أجنبي. عندما صرّح السفير
البريطاني لدى العراق في أغسطس الماضي بأن قوات الحشد الشعبي لم تعد ضرورية بعد انتهاء الصراع ضد تنظيم داعش، وأن بعض فصائل التنظيم تعمل خارج نطاق القانون، جاءت الإدانة من المسؤولين والسياسيين العراقيين سريعة وقاسية. يُبيّن هذا الحادث، إلى جانب حوادث أخرى في كل من العراق ولبنان، كيف يتحول موضوع الأسلحة خارج نطاق الدولة بسرعة إلى قضية سيادة وكرامة، بدلاً من كونه قضية إصلاح أمني تكنوقراطي".
وتابع: "من الأسباب الأخرى التي تجعل هذه المسألة معقدة، أنها في كل من العراق ولبنان لا تقتصر على الأسلحة فحسب، بل تتعداها إلى مصير العناصر المسلحة وشبكات دعمها. ماذا سيحلّ بهم إذا ما تم دمج أسلحتهم في الدولة؟ اقترح السوداني مخرجاً يتم بموجبه دمج الفصائل المعنية إما في
قوات الأمن أو تحويلها إلى أحزاب سياسية. وفي لبنان، طرح سياسيون ومحللون حلولاً مماثلة. لكن المثير للاهتمام، أنه عندما سُئل عن الضغوط الدولية التي تُمارس على الجماعات المسلحة غير الحكومية، مثل حزب الله في لبنان، بهدف نزع سلاحها، أجاب السوداني، بنبرة دفاعية نوعاً ما، بأن الوضع هنا يختلف عن لبنان".
واستكمل: "قد ينبع نفور السوداني من استخدام لبنان كمعيار من حقيقة أن نفوذ إيران أعمق في المشهد السياسي والعسكري العراقي. ففي لبنان، يميل الخطاب المؤيد للدولة، ضمنيًا أو صراحةً، إلى تحميل إيران مسؤولية ظاهرة انتشار الأسلحة خارج الدولة. وقد تجلى ذلك، على سبيل المثال، عندما دعا مكتب عون الدول الصديقة إلى عدم إرسال أسلحة إلى لبنان إلا عبر مؤسسات الدولة. في المقابل، كان دعاة تقييد حيازة الأسلحة خارج الدولة في العراق أكثر حذراً، إذ صوّروا نزع السلاح كقضية داخلية تتعلق بالسيادة، بدلًا من إبراز دور إيران".
وتابع: "مع ذلك، لا يزال لبنان يُعيد إشعال النقاش في العراق حول نزع سلاح الجهات الفاعلة غير الحكومية. إلا أن ثمة فرقاً جوهرياً ومتناقضاً. ففي العراق، لا تُعدّ مسألة نزع سلاح لبنان بمثابة مخططٍ مُسبق، بل أداة ضغطٍ مُعززة، فهي تُقوّي ادعاء أحد الأطراف بأن احتكار السلاح هو اللغة الطبيعية للدولة، بينما تُقوّي في الوقت نفسه تأكيد الطرف الآخر على أن نزع السلاح سيادة انتقائية، من النوع الذي يُطالب به عندما يكون وجود جهة مسلحة غير مُلائم، ويُؤجّل عندما تُثبت هذه الجهة فائدتها العسكرية".
وختم: "لذا، باتت مساعي لبنان نحو احتكار الدولة مرجعاً أساسياً لكل طرف في النقاش العراقي، بل وتُؤجّج هذا النقاش نفسه".