آخر الأخبار

مؤتمر باريس يتجاوز دعم الجيش... سيناريوهات الضغط على لبنان تتوالى

شارك

لم يكد لبنان يعلن رسميًا إنجاز المرحلة الأولى من خطة "حصرية السلاح"، عبر انتشار الجيش في المناطق الواقعة جنوب الليطاني ، حتى بدا واضحًا أنّ زخمًا دوليًا يتشكّل بسرعة تجاه الملف اللبناني. تزامن ذلك مع حركة موفدين من وإلى بيروت، ومع عودة "الخماسية" إلى صدارة المشهد بعد فترة انكفاء طويلة. ثم جاءت فرنسا لتتوج هذا المسار بإعلان الخامس من آذار موعدًا للمؤتمر الموعود لدعم الجيش والقوى الأمنية، والذي يفترض أن يفتتحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون .

بطبيعة الحال، يصعب وضع هذا الزخم في خانة "الاحتفال" بإنجاز جنوب الليطاني. فالإنجاز يبقى منقوصًا، طالما أنّ إسرائيل لا تزال تحتل نقاطًا في الجنوب، وتواصل خروقها شبه اليومية للسيادة اللبنانية عبر اعتداءات واستهدافات وإنذارات تُوجَّه متى تشاء لسكان مناطق تُصنَّف "آمنة". والأكثر إرباكًا أنّ القوى التي يفترض أن تكون ضامنة لاتفاق وقف الأعمال العدائية، لا تبدي حماسة مماثلة للضغط على إسرائيل، بقدر ما تُظهر تشددًا أكبر في ما يتعلق بـ"التزامات" الدولة اللبنانية.

في المقابل، يبدو الضغط على لبنان أسرع وأوضح. فالتشدد مع إسرائيل لا يبدو "مربحًا" سياسيًا لدى كثيرين، بينما يُقدَّم لبنان مرّة جديدة بوصفه الحلقة الأسهل في سلسلة الاختبارات. وهو ما يفاقم المفارقة، فلبنان هو الذي التزم بالاتفاق، بدليل أنّ " حزب الله " أحجم عن الردّ على الاعتداءات منذ أشهر، حتى عندما توسّعت الاستهدافات. ومع ذلك، لا تبدو هذه الوقائع كافية لتخفيف منسوب الضغط، ولا لضمان أن يُقرأ مؤتمر باريس بوصفه "إسنادًا" خالصًا لا "أداة اختبار".

ولأنّ تحديد شهر آذار موعدًا للمؤتمر لا يبدو صدفة بالمطلق، لا سيما أنّ الموعد لم يُعلَن إلا بعد تكليف الحكومة قيادة الجيش بإعداد خطة لاستكمال عملية "حصر السلاح" شمال الليطاني، على أن تناقشها الحكومة الشهر المقبل، تصبح بعض الأسئلة مشروعة: هل مؤتمر باريس جزءٌ من اختبار دولي جديد للبنان؟ وهل جاء تحديد موعده على هذا النحو لتثبيت "مهل" على الدولة؟ والأهم: هل يربح لبنان معركة الأسابيع الستة الفاصلة عن الاستحقاق، أم يدخلها والوقت بيد غيره؟.

مؤتمر آذار رهينة استحقاق شباط

هكذا، يبدو أنّ إعلان الخامس من آذار موعدًا لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في باريس لم يكن عفويًا، حتى لو جاء من حيث الشكل مفاجئًا. فقد قرأه كثيرون كمحاولة لفرض "مهل" على الطبقة الحاكمة، بعد أيام على تأجيل حسم المرحلة الثانية من خطة "حصر السلاح" إلى شباط، لإتاحة الوقت للجيش كي يُعدّ خطة متكاملة. وكأنّ هناك من أراد أن يقول للحكومة إنّ موعد شباط بات عمليًا ملزمًا، وإلا فإنّ استحقاق آذار قد يتحوّل إلى منصّة ضغط ومحاسبة.

لم يكتفِ المجتمع الدولي بذلك، بل رسم "خريطة الطريق" الكاملة التي تسبق المؤتمر الموعود، عبر اجتماع تحضيري في منتصف شباط يُفترض أن يُعقد في الدوحة. ولهذا التفصيل دلالته أيضًا، لأنّ قطر كانت من الدول القليلة التي حافظت على دعم متواصل للمؤسسة العسكرية حين تراجع وانكفأ الآخرون، ولأنّها راكمت خبرة في إدارة مسارات الدعم بما يربط المساعدة بالاستقرار وبالحاجة إلى "خطة" لا إلى شعارات.

الرسالة التي تتشكل هنا يمكن تلخيصها بعبارة واحدة: "الاختبار التالي ليس مفتوح الزمن". فإذا كانت الدولة اللبنانية اعتادت أن تعيش على تمديد المهل كلما ظهر مشروع خلاف، يبدو أنّ "روزنامة" خارجية تحاول أن تقلب القاعدة اليوم: بدل أن تتقدم الدولة وفق قدرتها الداخلية على التوافق، تُدفع إلى التقدم وفق قدرتها على تسليم "إنجاز قابل للقياس" قبل دخول قاعة باريس. ومن هذه الزاوية، يصبح المؤتمر أداة سياسية لقياس الجدية، وحتى إعادة تصنيف الدولة بين "قادرة" و"عاجزة".

دعمٌ مشروط بصيغة غير مكتوبة

صحيح أنّ المجتمع الدولي أفرج أخيرًا عن مؤتمر باريس الذي ينتظره كثيرون منذ فترة طويلة، من أجل تأمين احتياجات الجيش في المرحلة المقبلة، وهي كثيرة. إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ الأموال والمساعدات ستُسلَّم تلقائيًا، حتى لو كانت فرنسا حريصة على ترجمة وعودها إلى أفعال ملموسة. الأرجح أنّ الدعم سيُقدَّم بوصفه "وقودًا لمسار". والمسار هنا هو انتقال الدولة من إعلان النيات إلى إدارة المرحلة الثانية من "حصرية السلاح"، وبالتالي الانتقال إلى مناطق أشد تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا.

لا تقول الدول المعنية ذلك بصيغة إنذار، لكنها تلمّح إليه عبر ترتيب الأحداث نفسه، فقبل مؤتمر باريس، هناك اجتماع تحضيري في الدوحة، وكأنّ المطلوب ليس مؤتمرًا يعيد إنتاج وعود السنوات السابقة، بل خارطة طريق واضحة تقوم على تأمين احتياجات الجيش وما يتطلبه تثبيت حضوره، مقابل خطوات محددة على الأرض، ولو على شكل "تثبيت مسار" أكثر مما هو "حسم ملف". وهذا ما يفسّر، في نظر كثيرين، "الإفراج" عن المؤتمر بعد أشهر ثقيلة من الانتظار.

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة هو الأخطر: إذا تحولت "الساعة الباريسية" إلى معيار وحيد للحكم على الدولة، فإنّ أي تعثر قد يُستخدم لإعادة تعريف السلطة كعاجزة، ولرفع شهية الخارج على إدارة الملف بدل دعم إدارته لبنانيًا. وفي المقابل، فإنّ أي تقدم قد يمنح الدولة زخمًا إضافيًا، ويفتح باب الدعم على أساس أنّ المسار يسير في الاتجاه الصحيح.

المشكلة في هذه المقاربة هي أنّ المرحلة الثانية ليست مجرد توسعة جغرافية لانتشار عسكري. إنها انتقال إلى مساحة تتداخل فيها حساسية السلاح مع التوازنات الداخلية، ومع خطاب "حزب الله" الذي يعتبر أنّ أي بحث خارج جنوب الليطاني يجب أن يدخل ضمن "استراتيجية دفاعية". وهو في الوقت نفسه يربط أي نقاش من هذا النوع بالتزام إسرائيل باتفاق وقف الأعمال العدائية وبوقف اعتداءاتها وبالانسحاب من النقاط التي لا تزال تحتلها.

هنا يتجلّى المأزق اللبناني بوضوح: الدولة تحتاج إلى إظهار جدية قبل الوصول إلى مؤتمر باريس لضمان ترجمة التعهدات إلى دعم ملموس، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه فتح معركة داخلية واسعة مع "حزب الله" أو غيره، تفقدها الاستقرار الذي تحتاجه أصلًا لإنجاح أي انتشار. وبين هذين الحدّين، يصبح الخطر أن يتحول المؤتمر إلى منصة "ضغط" بدل أن يكون منصة "إسناد".

إسرائيل و"النار فوق التفاوض"

على الضفة الأخرى، تتحرك إسرائيل كأنها لا تريد ترك "الزمن اللبناني" يعمل بهدوء. فهي تتمسك بما تعتبره مكاسب حققتها في الحرب الأخيرة، حتى لو لم ينصّ عليها اتفاق وقف الأعمال العدائية. ومع كل استحقاق، مهما بدا تقنيًا أو سياسيًا، تتعمد مواصلة الضربات وتوسيع ساحاتها، وتقدّمها كاستجابة لما تعتبره "خروقات"، في معادلة تريد عبرها تثبيت اليد العليا وتقييد هوامش الحركة لدى الدولة اللبنانية.

وبذلك، تقول إسرائيل إنّها تمتلك القدرة على إعادة ضبط الإيقاع كلما أرادت: ترفع السقف حين ترى أنّ المسار بطيء، أو حين تريد فرض معادلة جديدة، وتخفضه حين تجد أنّ التصعيد لا يخدم أهدافها. وهكذا، يبدو أنّ لبنان لا يختبر في الأسابيع الستة المقبلة قدرته على تنفيذ خطوات داخلية فقط، بل قدرته على حماية "المسار" من أن يتحول إلى رهينة نارٍ متقطعة: كل ضربة تعيد النقاش إلى نقطة الصفر، وكل توسع ميداني يرفع كلفة أي تسوية داخلية، ويمنح الأطراف المتحفظة حججًا إضافية للقول إنّ التوقيت غير مناسب.

وهنا تظهر المفارقة القاسية: المجتمع الدولي يريد مسارًا مضبوطًا بمهل. إسرائيل تضبط الميدان بما يقطع هذه المهل أو يسرّعها. أما الداخل اللبناني، فيحاول أن يربح الوقت لتفادي الانفجار. ثلاث ساعات تعمل في آن واحد، لكنها لا تتفق على عقارب واحدة.

سيناريوهات وتكهّنات.. لكن ما المطلوب؟

إزاء ما تقدم، تُطرح سيناريوهات عدة حول ما قد تحمله الأسابيع الستة المقبلة. أولها الذهاب إلى تسوية مرحلية قابلة للتسويق دوليًا، إذا نجحت الدولة في إنتاج "سلة إجراءات" لا تصل إلى حد نزع السلاح، لكنها تكفي لإقناع المجتمع الدولي بأنّها تمضي في خطة "حصر السلاح" بخطوات متدرجة وواضحة، وبعيدًا عن لغة الكسر والتحدي.

السيناريو الثاني هو التصعيد، إذا ما دخلت الحكومة في سباق مواعيد بلا أرضية داخلية كافية، وعندها يتحول مؤتمر باريس من منصة دعم إلى منصة محاسبة. وفي هذا المسار، قد يصبح الضغط الدولي جزءًا من تفاقم الأزمة بدل أن يكون رافعة للحل، خصوصًا إذا ترافق مع تصعيد إسرائيلي يرفع السقف ويضيّق الخيارات.

أما السيناريو الثالث، فهو تكرار ما هو مألوف في السياسة اللبنانية: التأجيل وتمديد المهل. تذهب الدولة إلى باريس مع "سردية تقدم" عامة، لكن من دون تحولات كبيرة على الأرض، فيتحول المؤتمر إلى إعلان تعهدات فضفاضة، وإلى تمديد عملي للاستحقاقات بحجة "استكمال التحضير" و"حماية الاستقرار". هذا السيناريو مريح داخليًا على المدى القصير، لكنه يحمل خطرًا جدّيًا: أن يملّ الخارج من الوعود، وأن يترك لبنان وحيدًا أمام إيقاع إسرائيل.

ما الذي يحتاجه لبنان إذًا كي لا يُهزم بالوقت؟.

المطلوب قبل كل شيء هو إدارة المعركة بأتمّ معنى الكلمة، ليس على الطريقة اللبنانية التقليدية، ولكن وفق خريطة واضحة لما يمكن فعله وما لا يمكن فعله خلال أسابيع، وما يحتاج إلى أشهر، بعيدًا عن العناوين الفضفاضة والوعود غير القابلة للقياس. والمطلوب كذلك حماية الجيش من أن يُزَجّ به طرفًا في صراع داخلي، بل تثبيته كأداة الدولة الوحيدة التي يفترض أن تحمي الجميع من الانزلاق.

في النهاية، إذا كان مؤتمر باريس يضبط ساعة لبنان، فالمطلوب ليس كسر الساعة ولا الاستسلام لها، بل تحويلها إلى إطار عمل يحمي الدولة من الابتزاز الميداني، ويمنع الداخل من تحويل كل خطوة إلى حرب أهلية سياسية. النجاح هنا لا يُقاس فقط بما سيُقال في باريس، بل بما إذا كان لبنان سيذهب إليها ومعه زمام الإيقاع، أو سيذهب والوقت بيد غيره.

النشرة المصدر: النشرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا