تظهر التطورات الأخيرة أن أي ضربة أميركية محتملة لإيران لا تبدو موجهة نحو إسقاط النظام بقدر ما تهدف إلى تطويعه وإعادة ضبط سلوكه السياسي والاقتصادي بما يخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة. فالإدارة الأميركية، رغم خطابها التصعيدي، تدرك أن زعزعة استقرار دولة بحجم وتأثير
إيران قد تفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة يصعب احتواؤها، ولذلك يظل خيار الضغط المنضبط والتفاوض المشروط أكثر انسجاما مع منطق إدارة الصراع لا تفجيره.
إيران، المعروفة تاريخيا ببراغماتيتها وقدرتها على امتصاص الضغوط، تواجه اليوم تحديًا مركبًا يتمثل في اشتداد التناقض بين منطق الدولة ومنطق القوة داخل النظام، حيث يلعب الحرس الثوري دورًا حاسمًا في توجيه السياسات الإقليمية والعسكرية، ما يحد من قدرة القيادة السياسية على المناورة الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن إيران تختلف في بنيتها وقدراتها عن نماذج دول تعرّضت لانهيارات داخلية كبرى مثل
سوريا أو فنزويلا، فرغم الأزمة الاقتصادية والعقوبات، لا تزال تمتلك مؤسسات دولة متماسكة وقاعدة اجتماعية واسعة، ما يجعل أي محاولة لإحداث تغيير جذري عبر القوة العسكرية محفوفة بمخاطر تفكك إقليمي يتجاوز حدودها الجغرافية.
تاريخيا، كانت إيران في عهد الشاه ركيزة أساسية في منظومة الأمن الإقليمي ضمن ما عرف بمبدأ "شرطي الخليج" بدعم من الغرب، ولا سيما
الولايات المتحدة ، لحماية مصالحها، حيث امتلكت جيشا قويا وموقعا استراتيجيا جعلها عنصرا محوريا في التوازنات الأمنية للمنطقة، إلى جانب سعيها لبسط نفوذها على الخليج العربي بضفتيه الشرقية والغربية. وفي السياق الراهن، لا يبدو أن
واشنطن تسعى إلى استنساخ ذلك النموذج أو فرض بديل سياسي على غراره، بل إلى دفع إيران نحو سلوك إقليمي أكثر انضباطا ينسجم مع ترتيبات أمنية جديدة، من دون الدخول في مغامرة تغيير النظام وما قد يترتب عليها من فراغات أمنية.
هذا الإدراك يفسر إلى حد بعيد المواقف الخليجية الرافضة للخيار العسكري، إذ قادت
السعودية وقطر وعُمان تحركات دبلوماسية مكثفة لإقناع الرئيس الأميركي
دونالد ترامب بعدم الإقدام على ضربة عسكرية ضد إيران، خشية أن تؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة تطال أمن الخليج وممرات الطاقة والاستقرار الاقتصادي. وقد أكدت الرياض بوضوح أنها لا تؤيد العمل العسكري ولن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ أي هجوم ضد إيران، في رسالة تعكس قناعة بأن كلفة الحرب ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية محتملة.
أما في تل أبيب، الطرف الأكثر تشددًا تجاه إيران، فتظهر تقديرات مغايرة ينقلها الإعلام العبري عن الدوائر الأمنية وتشير إلى أن
إسرائيل قد تكون في موقع حرج في حال اندلاع مواجهة واسعة، نظرًا لحجم الترسانة الصاروخية
الإيرانية . وتشير التقارير العبرية إلى وجود آراء داخل إسرائيل تدعو إلى تحييدها عن أي مواجهة مباشرة وترك إدارة الصراع للولايات المتحدة، تفاديا لتداعيات عسكرية وأمنية يصعب التحكم بها.
في العمق، يتجاوز الصراع مع إيران البعد الإقليمي ليصب في إطار المواجهة الاستراتيجية الكبرى بين الولايات المتحدة والصين. فواشنطن تعمل على إعادة الإمساك بخريطة إمدادات النفط والموارد الطبيعية والمعادن النادرة، وتستخدم أدوات العقوبات والضغوط السياسية لإعادة توجيه أسواق الطاقة بما يقلص اعتماد بكين على نفط دول خارجة عن النفوذ الأميركي مثل إيران وفنزويلا. ومن هذا المنطلق، يصبح النفط
الإيراني عنصرا تفاوضيا أساسيا في أي تسوية محتملة، لا بوصفه موردا اقتصاديا فحسب، بل كأداة في معركة النفوذ العالمي.
ضمن هذا السياق، جاء قرار
ترامب بتأجيل توجيه ضربة عسكرية، وفق ما نقلته وسائل إعلام أميركية، نتيجة مخاوف من ردّ واسع قد يستهدف المصالح الأميركية وحلفاءها، إضافة إلى حالة عدم يقين داخل الإدارة بشأن جدوى الضربة في إحداث تغيير فعلي في سلوك النظام. وفي الوقت نفسه، أبقى ترامب باب التفاوض مفتوحًا، لكنه اشترط التزاما واضحا من المرشد الإيراني علي خامنئي بإمكانية التوصل إلى اتفاق جاد، في إشارة إلى أن واشنطن تريد ضمانات سياسية مباشرة قبل الانتقال إلى مسار تفاوضي شامل.
في المحصلة، تبدو المنطقة عالقة بين مسارين متوازيين: مسار تصعيدي تُستخدم فيه التهديدات العسكرية كأداة ضغط، ومسار تفاوضي يسعى إلى إعادة إدماج إيران ضمن منظومة توازنات جديدة تضبط دورها الإقليمي وتعيد توجيه اقتصادها في اتجاه يخدم الحسابات الأميركية الكبرى، ولا سيما في مواجهة الصين. وبين هذين المسارين، يبقى الاستقرار الإقليمي هشا، مرتبطا بقدرة الأطراف على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد رسم خرائط النفوذ، لكن بثمن باهظ تدفعه شعوب المنطقة قبل أي طرف آخر.