آخر الأخبار

ترامب العابر للقارات: حين تتحوّل أميركا أولًاإلى ترخيص عالمي

شارك

قد يكون العالم اعتاد على "مفاجآت" دونالد ترامب في الخطاب، هو الذي لا يشبه أيّ رئيس أميركي آخر في طريقته لتوليد الصدمة ثم تحويلها إلى واقعٍ سياسي، بل في التعامل مع الدول الكبرى بعقليّة رجل الأعمال قبل الزعيم السياسي.

فمن مشهد المواجهة العلنية الشهيرة مع فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض (شباط 2025)، إلى تهديدات "النار والغضب" في ذروة أزمة كوريا الشمالية، وصولًا إلى انقلاباته في وصف الناتو وتشكيكاته بوقائع حسّاسة، واستخدامه العبارات النابية في توصيف دول ورؤساء، حتى في الولايات المتحدة ، كما فعل مع جو بايدن الذي منحه لقب "جو النائم"، كان ترامب يسعى دائمًا لتكريس مفهوم مختلف للسياسة، ويعيد تعريفها بوصفها "عرضًا" في المقام الأول.

إلا أنّ ما يميّز الأسابيع الأولى من العام 2026 قد يكون في انتقال هذه "المفاجآت" من مستوى الكلام إلى الفعل إن صحّ التعبير، وكأن "أميركا أولًا" لم تعد شعارًا للانكفاء بقدر ما أصبحت ذريعة لقرارٍ عابر للحدود. والمفارقة أنّ الرجل الذي صاغ حملته الانتخابية مرارًا تحت عنوان "لا حروب جديدة"، ورفض دور "شرطي العالم"، يقدّم اليوم نمطًا مختلفًا، إذ يتصرّف وكأنه الحاكم المطلق للعالم، ويعامل السيادة الوطنية للدول كأنّها تفصيل قابل للتجاوز متى قرر ذلك.

هكذا، لم يعد سلوك إدارة ترامب في الأسابيع الأولى من عام 2026، يُقرأ بوصفه "تصعيدًا" ضمن مألوف العلاقات الدولية، بل كاختبارٍ متدرّج لفكرة أكثر جذرية، وهي تمديد السيادة الأميركية خارج الحدود، بالقوة حينًا، وبالابتزاز السياسي حينًا آخر، بل حتى بالحصار الاقتصادي والتحريض العلني حينًا ثالثًا، من دون أن يبالي بحليف أو صديق، ومن دون اكتراث يُذكر بالقانون الدولي، وكأنّه غير مُلزِم حين يتعارض مع تعريفه للمصلحة الأميركية.

من فنزويلا إلى غرينلاند وصولًا إلى إيران ، يتجلّى ذلك بوضوح، فعلى الرغم من اختلال الجغرافيا والظروف بين الملفات الثلاثة، تتعامل معها إدارة ترامب وفق منطق واحد، قد لا يكون جديدًا بالكامل في التاريخ الأميركي، لكنّه يبدو صادمًا اليوم في عالمٍ يفترض أنه خرج، نظريًا على الأقلّ من زمن "الضمّ" و"الخطف السياسي" و"تغيير الأنظمة"كسياسات مُعلنة.

1. فنزويلا… إنفاذ قانون أم سابقة سيادية؟

في فنزويلا، كانت الصدمة الأولى التي لم يتوقعها أحد رغم الاشتباك الكلامي الذي دام أسابيع طويلة بين ترامب والرئيس نيكولاس مادورو . فسيناريو الاعتقال، أو الخطفبالمعنى الأدقّ، كان مُستبعَدًا، من حيث المبدأ، إذ كيف يمكن أن يقدم رئيس دولة على تنفيذ عملية عسكرية لاعتقال رئيس دولة أخرى، وهو في ولايته القانونية، ومن ثمّ محاكمته خارج بلده، ووفق قانون الدولة الأجنبية، في مفارقة تبدو مثيرة للجدل إلى حدّ بعيد.

هنا يتبدّل معنى "القانون" نفسه: فبدل أن يكون إطارًا ينظّم العلاقات بين الدول، يتحول إلى أداة تمدّد تُستخدم لتبرير الفعل العسكري خارج الحدود، لأن العملية لم تُقدَّم باعتبارها حربًا، بل باعتبارها "إنفاذ قانون" بغطاء عسكري، أي مزج متعمّد بين العسكري والقضائي لتفادي قيود إعلان الحرب ومفاعيلها. ولعلّ الأخطر أنّه تمّ التعامل مع فنزويلا كمجال نفوذ قابل لإعادة التنظيم. فحتى بعد اعتقال مادورو، ظهرت مؤشرات على تصعيد مواكب في ملف النفط، ما يعني أن العملية لم تكن "ضربة معزولة"، بل جزءًا من مقاربة أوسع لإدارة موارد الدولة المعاقَبة وتضييق خياراتها.

بكلام آخر، فإنّ القضية ليست مادورو وحده، وإنما تأسيس مسار يسمح لواشنطن بأن تفرض "عدالتها" خارج حدودها بالقوة، ثم تطلب من العالم التعامل مع الأمر كواقع منجز.

2. غرينلاند: اختبار الحلفاء... عبر الناتو نفسه

إذا كانت فنزويلا تُمثّل وجهًا صداميًا مع خصم، فإن غرينلاند تكشف وجهًا أكثر إرباكًا: ضغط سيادي على حليف. ترامب قال صراحة إن أي شيء أقل من وجود غرينلاند "في يد الولايات المتحدة" غير مقبول، وجزم بأنّها ستحصل عليها "باللين أو بالقوة".

هنا يبدو الأمر أكثر خطورة على النظام الغربي نفسه: أن تتعامل الولايات المتحدة مع أرض تابعة لدولة عضو في الناتو ( الدنمارك ) بمنطق "الاقتناء" أو السيطرة، وأن تربط ذلك بالأمن القومي وأن تطلب من الناتو “أن يقود الطريق” لتحقيقه.

المفارقة أن غرينلاند ليست أرضًا بلا مظلة: هي إقليم تابع للدنمارك (حليف في الناتو)، وعلى أرضها وجود عسكري أميركي أصلًا، ما كان يفترض أن يجعل الملف محصورًا في توسيع تعاون أو تحديث ترتيبات دفاعية. لكن ترامب دفعه باتجاه مختلف.

هنا يصبح سؤال الناتو قاتمًا: كيف يُبنى "الأمن الجماعي"إذا كان أكبر عضو فيه يلوّح بالسيادة على أرض عضو آخر؟ ولماذا قد يثق حلفاء واشنطن بضماناتها الأمنية إذا باتت المصالح الأميركية تُعرّف، في لحظة، كحقٍ في إعادة رسم خرائط الحلفاء أنفسهم؟

وإذا كانت ردود الفعل الأوروبية جاءت متشدّدة في رفض فكرة "الاستحواذ"، وفي التشديد على أن غرينلاند ليست للبيع، فإنّ الأهم من الرفض هو ما كشفته الحادثة: أنّ ترامب لا يتعامل مع الحلفاء كشركاء متساوين، بل كمساحات تفاوض يمكن رفع السقف معها بلا كلفة استراتيجية فورية، لأن البديل (التصدّع داخل الناتو) يتحمل تبعاته الأوروبيون أولًا.

3. إيران… تحريض علني مع حصار للشركاء

في إيران تظهر صيغة ثالثة من "السياسة العابرة للقارات" تجمع ثلاثة عناصر أساسية: خطاب مباشر للمحتجين، ضغط اقتصادي عابر للحدود، وتلميح إلى "مساعدة" قد تُفهم بأكثر من معنى.

فقد دعا ترامب الإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاجات، وقال إن "المساعدة في الطريق"، وترافق ذلك مع تشدد سياسي بعدم الانخراط في محادثات مع طهران قبل توقف العنف ضد المتظاهرين، في موقف يرفع السقف بشكل مباشر.

لكن الأداة الأكثر دلالة كانت اقتصادية، إذ طرح ترامب فرض تعرفة إجراء عقابي بنسبة 25% على الدول التي تتعامل تجاريًا مع إيران، أي نقل المعركة من طهران إلى شركائها، وإعادة إنتاج منطق "العقوبات الثانوية" بصيغة أكثر فظاظة.

وبانتظار أن تتّضح طبيعة "المساعدة" التي وعد بها ترامب الإيرانيين، الذين حرّضهم على مواصلة الاحتجاج، فإنّ الرسالة الأميركية هنا هي أنّ التدخل لا يأخذ بالضرورة شكلاً عسكريًا حتى يستدعي ارتدادات إقليمية، إذ يكفي أن يرفع منسوب المخاطر حتى تبدأ العواصم المحيطة بإيران (والأسواق معها) بحساب كلفة التصعيد.

أميركا Everywhere بنسخة 2026

من فنزويلا إلى غرينلاند إلى إيران، يمكن قراءة سلوك ترامب كأنه محاولة لإعادة تعريف "أميركا أولًا" بمعنى مختلف: ليس الانكفاء، بل توسيع نطاق الفعل الأميركي خارج الحدود مع تقليل الكلفة السياسية الداخلية عبر أدوات ثلاثة: عملية خاطفة في الخارج تُعرض كـ"إنفاذ قانون"، ضغط على الحلفاء باسم الأمن القومي، وحصار اقتصادي يطال الشركاء بدل الخصم فقط.

ومع أنّ الولايات المتحدة تدخلت تاريخيًا في محطات عديدة، فإنّ الجانب الصادم هو أن هذا التدخل يُعاد تقديمه في عالم اليوم كحقّ شبه طبيعي، وبصيغٍ هجينة، ترفع كلفة الاستقرار الدولي.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، هذا النمط يرسل رسائل واضحة: " الضغط الأقصى " يعود بصورة أوسع، التحالف مع واشنطن لا يعني الحصانة من الضغط ورفع السقف، والقانون الدولي يتراجع أمام "الشرعية الداخلية الأميركية".

في النتيجة، نحن أمام أميركا أكثر استعدادًا لاستخدام الصدمة كأداة حكم خارجي، وأقل التزامًا بحساسية التوازنات التي كانت تُدار سابقًا عبر الدبلوماسية البطيئة. وهذا يعني أن المنطقة قد تدخل مرحلة يكون فيها المطلوب من الدول ليس فقط أن "تُقرَأ" السياسة الأميركية ، بل أن تُحصّن نفسها من ارتداداتها: اقتصاديًا، أمنيًا، وحتى على مستوى التحالفات.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا