تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة انشغالًا واسعًا بالملف
الإيراني ، سواء على مستوى التوترات الأمنية أو المفاوضات غير المباشرة أو الحسابات الإقليمية والدولية المعقّدة. هذا الانشغال، على عكس ما قد يبدو للوهلة الأولى، يمكن أن يحمل في طياته فوائد غير مباشرة للبنان على المديين المتوسط والطويل، بشرط أساسي واحد وهو ألّا تنزلق الأمور إلى حرب شاملة مع
إيران .
أول هذه الفوائد يتمثل في تراجع موقع
لبنان عن صدارة الاهتمام الأمني والسياسي، وخصوصًا في الحسابات
الإسرائيلية . فعندما تصبح إيران هي العنوان الأساسي للقلق والضغط، يتحوّل التركيز العسكري والاستخباراتي نحوها، ما يخفف تلقائيًا من مستوى التصعيد المباشر أو غير المباشر على الساحة
اللبنانية . هذا لا يعني انتهاء المخاطر بالكامل، لكنه يحدّ من احتمالات المغامرات العسكرية أو الضغوط القصوى التي اعتاد لبنان مواجهتها في فترات سابقة، حين كان يُستخدم كرسالة أو ساحة اختبار.
هذا التحوّل ينعكس أيضًا على مستوى الضغوط الدولية. فالدول الكبرى، المنشغلة بإدارة التوتر مع طهران ومنع انفجاره، تصبح أقل حماسة لفتح ملفات جانبية معقّدة مثل لبنان، سواء لجهة
العقوبات أو فرض شروط سياسية قاسية. في مثل هذه الظروف، غالبًا ما يُمنح هامش أوسع للدول الهشّة لالتقاط أنفاسها، أو على الأقل تجميد الأزمات.
أما الفائدة الثانية، والأكثر عمقًا، فتتعلق بالتحوّل العربي الملحوظ في مقاربة الملف الإيراني. فبعيدًا عن منطق المواجهة المفتوحة، يظهر ميل متزايد لدى عدد من الدول العربية نحو لعب دور الوسيط أو الدافع باتجاه خفض التصعيد، عبر الطلب من
واشنطن عدم توجيه ضربة لإيران، أو الدفع نحو تسويات تحفظ الاستقرار الإقليمي. هذا المناخ يفتح الباب أمام تقاطعات عربية – إيرانية، حتى وإن كانت محدودة أو مرحلية، لكنها كفيلة بتغيير قواعد الاشتباك في أكثر من ساحة.
لبنان، بحكم موقعه وتشابك ملفاته، سيكون حتمًا جزءًا من هذه التقاطعات. فحين تتراجع حدة الصراع الإقليمي، يصبح لبنان أقل عرضة للاستخدام كورقة ضغط، وأكثر قابلية للدخول في مرحلة تهدئة نسبية، قد لا تحل أزماته البنيوية، لكنها توفر مناخًا أقل توترًا يسمح بإدارة الخلافات.
ليس الانشغال بإيران خبرًا سيئًا للبنان بالضرورة، بل قد يشكّل فرصة نادرة، إذا أُحسن التعامل معها داخليًا، للخروج من دائرة الاستهداف المباشر، والاستفادة من تحوّلات إقليمية تفرض على الجميع منطق التسويات بدل الحروب.