آخر الأخبار

سلاح شمال الليطاني: حزب الله خارج الترويض وخشية من مشهد مماثل للضفة وغزة

شارك
انتهى عمليًا ملف حصرية السلاح في منطقة جنوب نهر الليطاني، بعد إعلان قائد الجيش العماد رودولف هيكل استكمال السيطرة العملانية الكاملة للجيش على هذه المنطقة، وتأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن المؤسسة العسكرية باتت قادرة على منع أي عمليات عسكرية داخلها والتدخل الفوري لإحباط أي خرق أمني.
وقد فتح هذا التطور تلقائيًا ملف شمال الليطاني على مصراعيه، حيث طلب مجلس الوزراء من قيادة الجيش إعداد خطة لحصر السلاح في منطقة شمال النهر، تمهيدًا لعرضها ومناقشتها خلال شهر شباط المقبل، وسط اعتراض واضح من الوزيرين الممثلين لحزب الله داخل الحكومة.
نصّ اتفاق وقف الأعمال العدائية على تفكيك كل المنشآت العسكرية غير المرخّص لها والمعنية بصناعة السلاح في لبنان ، ومصادرة كل الأسلحة غير المرخّص لها بدءًا من منطقة جنوب الليطاني. وتكمن عقدة الخلاف في ما ورد في القرار 1701، ولا سيما في مسألة السلاح ابتداءً من جنوب النهر، وهنا يكمن شيطان التفاصيل: فهل يبدأ التنفيذ من جنوب النهر وصولًا إلى الحدود الفلسطينية، أم يبدأ من جنوب النهر على أن يُستكمل لاحقًا شماله امتدادًا لكامل الأراضي اللبنانية حتى آخر نقطة على الحدود مع سوريا ، بما يضمن السيادة اللبنانية الشاملة؟
تذهب الحكومة اللبنانية في طرحها، بحسب مصادر مطلعة، إلى ما هو أبعد مما يطمح إليه العدو الإسرائيلي ، إذ إن منطقة جنوب النهر كانت تاريخيا المساحة التي يسعى إليها العدو لضمان أمن سكان مستوطناته القريبة من لبنان. ولعل الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 "عملية الليطاني" واجتياح عام 1982 خير دليل على ذلك، حيث سُمّيت العملية آنذاك "عملية سلامة الجليل"، غير أن رئيس الأركان ووزير الحرب في حينه، أرييل شارون، قرر توسيع نطاق الاجتياح باتجاه بيروت ، مستفيدًا من غياب مقاومة فعلية في المراحل الأولى، إذ لم يقع أول اشتباك حقيقي إلا في خلدة بعد نحو أسبوع من بدء الاجتياح.
بالنسبة إلى حزب الله ، يشكّل ملف سلاح شمال الليطاني مسألة مبدئية لا تقبل المساومة. فالحزب يرى أن الخيارات المطروحة أمامه ثنائية وحادّة: إما القبول بما يُعرض عليه، بما يعنيه ذلك من إعلان هزيمة سياسية ومعنوية، أو الرفض الكامل من دون أن يُهزم. وفي هذا السياق، يبدو مؤكدًا أن الحزب لن يخضع هذه المرة لمحاولات "الترويض" التي قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري في محطات سابقة، سواء في اتفاق 27 تشرين الأول 2024، أو في 5 آب 2025، أو حتى في ملف تعيين السفير سيمون كرم، ولا سيما أن الحزب علم بهذا التعيين عبر وسائل الإعلام من دون أن يبلّغه الرئيس بري مسبقًا، علمًا أن عملية "الترويض" التي يقوم بها الرئيس بري تهدف إلى امتصاص الضغوط الدولية والأميركية على لبنان، إذ ينطلق موقفه من الحرص على حماية لبنان ومنع تحويله ساحة مستباحة للاعتداءات الإسرائيلية ، مشددًا على رفض استمرار العدوان، وعدم الانسحاب من النقاط اللبنانية المحتلة، وإبقاء الأسرى اللبنانيين في السجون، ومعتبرًا أن هذه الملفات يجب أن تبقى في صلب أولويات الدولة بعيدًا من أي إهمال أو ضغوط خارجية. وبالتالي، فإن هذا الواقع يجعل المشهد الحالي عالقًا وضبابيًا، ويضع البلاد في مرحلة ترقب لما سيعلنه الرئيس بري في الأيام القليلة المقبلة قبل حلول مطلع شباط، في ضوء الاتصالات التي يجريها مع مسؤولين عرب وغربيين لدرء أي تصعيد إسرائيلي أو اشتباك داخلي.
ولا يستبعد أن يقدم حزب الله على خفض سقف شروطه المرتبطة ببحث ملف السلاح شمال الليطاني، وكذلك تلك المتصلة بالانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس المحتلة، مضافًا إليها نقطتان، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، واستعادة الأسرى، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وذلك في حال بادر العدو الإسرائيلي إلى خطوة عملية تتمثل بالانسحاب من هذه النقاط. وإذا ما حصل هذا التطور، فمن شأنه أن يخفف جزئيًا من النظرة التشاؤمية التي ينظر بها اللبنانيون إلى الحكومة ورئيسها ووزير خارجيتها، خصوصًا بعد أن أظهرت هذه السلطة وكأنها تحمل أجندة واحدة محصورة بملف السلاح دون سواه.
الانسحاب الإسرائيلي المحتمل، إن تحقق، يُفترض أن يشكّل أيضًا دفعًا للحكومة ورئاسة الجمهورية للذهاب نحو ملف الترسيم، الذي كان حتى وقت قريب يعدّ من المحرّمات لدى حزب الله، في حين أن الحزب اليوم لم يعد يعارض مبدأ البحث فيه، وكذلك فتح باب النقاش حول استراتيجية دفاعية.
غير أن الثابت الوحيد، وبمنتهى الصراحة، هو أن الحزب، كما يقول، لن يسمح لأي جهة، سواء الجيش أو غيره، بالذهاب إلى الكشف على أنفاق أو مخازن أسلحة أو ترسانات عسكرية في شمال الليطاني. فهذا الأمر محسوم بالنسبة إليه ويختلف جذريا عن عمليات الكشف التي قد تحصل على مبنى هنا أو هناك. أما الحديث عن أنفاق استراتيجية من طراز "عماد 4"، فهو بالنسبة للحزب خط أحمر، وأي خطوة من هذا النوع من شأنها أن تُحدث إشكالًا كبيرًا في البلاد، وهو ما يدركه الجيش جيدًا ويتعامل معه بحذر بالغ.
وفي هذا الإطار، يجزم الحزب بأنه لا نقاش حول دور المقاومة في شمال الليطاني ما لم يلتزم العدو الإسرائيلي التزامًا كاملًا باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان. ووفق القراءات السياسية السائدة لديه، فإن إسرائيل اليوم، كما الولايات المتحدة ، منشغلة بما يجري في إيران أكثر من انشغالها بالساحة اللبنانية، وإن كانت لا تزال تمارس تصعيدًا موضعيًا وصل إلى شمال الليطاني. إلا أن التقدير الغالب يشير إلى أن إسرائيل لن تُقدم، خلال الأسبوع المقبل على أقل تقدير، على أي تصعيد خطير تجاه لبنان، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في إيران، سواء باتجاه احتواء الاحتجاجات بما يصب في مصلحة النظام، أو تفاقمها بما يستدعي بناء حسابات جديدة على ضوء المستجدات.
وسط كل هذه المعطيات، تبدو الأوضاع في لبنان خلال الأيام والأسابيع وربما الأشهر المقبلة بعيدة عن أي حل نهائي. ويظل الخوف قائمًا من سيناريو بالغ الخطورة يتمثل في أن يتحول لبنان، ولو انسحبت إسرائيل، إلى ساحة شبيهة بالضفة الغربية أو غزة، حيث تضرب إسرائيل متى تشاء وبالذريعة التي تختارها، والذهاب نحو "فلسطنة" الوضع اللبناني، ما يضع البلاد أمام مرحلة شديدة الحساسية سياسيًا وأمنيًا، في ظل توازنات دقيقة وانعدام أي ضمانات حقيقية حتى الآن.
لبنان ٢٤ المصدر: لبنان ٢٤
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا