آخر الأخبار

ما وراء السعي الإسرائيلي إلى إبعاد باريس عن الميكانيزم؟!

شارك

لم يعد سراً أن إسرائيل تسعى إلى إبعاد فرنسا عن لجنة "الميكانيزم"، التي كان من المفترض أن تتولى الإشراف على إتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان ، لكن الخلفيات الحقيقية لهذا السعي أبعد من الساحة المحلية، بل هي ترتبط بصراعات أكبر في أكثر من منطقة، ليست الولايات المتحدة ، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب بعيدة عنها، وبالتالي التعامل معها لا ينبغي أن يكون من منطلق أنها عبارة عن إعتراض من قبل تل أبيب على مواقف باريس من الملف اللبناني.

التقارب السعودي الفرنسي

في هذا السياق، قد يكون من أبرز النقاط التي من الممكن الإشارة إليها في هذا المجال، التقارب السعودي الفرنسي في النظرة إلى ملفات الشرق الأوسط في السنوات الماضية، الذي له خلفيات سياسية واقتصادية، خصوصاً أن باريس كانت شريكة الرياض الأساسية في "معركة" الإعترافات بالدولة الفلسطينية، التي برزت في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، ما أثار ردة فعل عنيفة من قبل تل أبيب على هذا التوجه الفرنسي.

في ذلك الوقت، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد بادر إلى وصف ما تقوم به باريس بأنه "مكافأة للإرهاب"، حيث اتهم الرئيس إيمانويل ماكرون بصب الزيت على نار "معاداة السامية" في فرنسا، ما ردت عليه باريس بوصف تصريحاته بأنها "مخزية" وإهانة لفرنسا، مع العلم أن ماكرون نفسه كان، بعد عملية "طوفان الأقصى"، قد دعا إلى تشكيل تحالف جديد لمحاربة الإرهاب.

الصراع في شرق المتوسط

الخلافات بين الجانبين لا تقتصر على هذه الساحة، حيث لا يمكن تجاهل الصراع على النفوذ في منطقة شرق المتوسط، الغنية بموارد الطاقة، فبالرغم من التوافق بين باريس وتل أبيب على النظرة إلى التحدي الذي يمثله النفوذ التركي، خصوصاً بعد سقوط النظام السوري السابق، تتنافسان على القيادة والسيطرة في هذه الرقعة الإستراتيجية.

في هذا الإطار، من الطبيعي الحديث عن أن باريس الحاضرة في هذه الساحة، من خلال دور شركة "توتال" في مشاريع التنقيب عن الغاز، بالإضافة إلى الشراكة في منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم أيضاً إسرائيل، تنظر بعين الريبة إلى التقارب القائم بين اليونان و قبرص وإسرائيل، على إعتبار أن ذلك يضعف من حضورها، لا سيما أن تل أبيب تقدم نفسها، في المرحلة الراهنة، كمظلة حماية لهاتين الدولتين من "التحدي" التركي.

بين "الميكانيزم" و" اليونيفيل "

الواقع في شرق المتوسط يعني، بشكل أو بآخر، السعي إلى إبعاد النفوذ الفرنسي عن منطقة الشرق الأوسط، في حين كانت باريس قد أبدت، في السنوات الماضية، رغبة واضحة بالعودة إلى هذه الساحة، التي تعتبر ساحة نفوذ تاريخية لها، من البوابة اللبنانية تحديداً، بعد التراجع الذي كانت قد تعرضت له في أكثر من دولة أفريقية.

ما تقدم، يُفسر، بالإضافة إلى السعي الإسرائيلي إلى إبعاد فرنسا عن لجنة "الميكانيزم"، الجهود التي بذلت لإنهاء مهام قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، التي تمثل باريس جزءاً أساسياً منها، في حين كانت قد برزت، في الفترة الماضية، الرغبة التي عبرت عنها العديد من الدول الأوروبية، منها فرنسا، من أجل إبقاء قوتها في الجنوب، بعد إنتهاء ولاية هذه القوات في نهاية العام الحالي.

هذه الرغبة الأوروبية، رغم أهمية الترحيب اللبناني الرسمي بها، تتطلب الإتفاق على الآلية المناسبة، بالإضافة إلى موافقة تل أبيب، التي باتت تسعى إلى الدفع نحو التنسيق الأمني المباشر مع بيروت، مدعومة من الولايات المتحدة التي تشجع أيضاً على هذا المسار.

الدور الأميركي

في ظل ما تقدم، لا يمكن تجاهل معطى أساسي يكمن بأن إسرائيل تفضل التعامل مع واشنطن، لا سيما في ظل إدارة ترامب، فقط في مختلف هذه الملفات، لأنها تعتبر التنسيق مع أميركا تنسيقاً بين حلفاء، على عكس ما هو الحال بالنسبة إلى العلاقة مع باريس، التي تخوض تنافساً مع تل أبيب متعدد الأشكال.

من جانبها، لا تعارض الولايات المتحدة، رغم من الإختلافات في وجهات النظر التي لديها مع تل أبيب، تحديداً على مستوى العلاقة مع الرياض وأنقرة في بعض الساحات، مسار السعي إلى تحجيم النفوذ الفرنسي، من دون أن يعني ذلك الرغبة في إنهاء وجودها بشكل كامل، على إعتبار أن المطلوب أن يكون أي دور لها تحت المظلة الأميركية، لا السعي إلى سياسة مستقلة.

هنا، يبرز التناقض بين رؤية ترامب وماكرون على المستوى العالمي، خصوصاً أن الرئيس الفرنسي سبق له أن أعلن، في أكثر من مناسبة، أن بلاده ليست تابعة للولايات المتحدة، لا بل هو المنظر الأساسي لفكرة بناء جيش أوروبي قوي. وقبل أيام قليلة، أعرب ماكرون عن أسفه لأن واشنطن تتخلى تدريجياً عن حلفاء لها وتتجاهل القواعد الدولية، في حين كان ترامب قد أعلن أن ماكرون رضخ لمطالبه، بشأن ملف أسعار الأدوية، بطريقة ساخرة.

في المحصلة، السعي الإسرائيلي لإقصاء باريس عن لجنة "الميكانيزم" ليس مجرد إعتراض عابر على السياسة الفرنسية في لبنان، التي لا تتوافق مع رغبات تل أبيب، بل يمتد ليشمل تنافس جوهري على النفوذ في أكثر من ساحة، إلا أن الأهم يبقى أنه يعكس رغبة واضحة في تكريس آلية تعامل مع مختلف الملفات، لا تكون فيها باريس لاعباً مقرراً.

النشرة المصدر: النشرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا