حتى اليوم، لا يمكن رصد أي قرار واضح أو خطوة جدية أو حتى مؤشر حاسم صادر من الخارج يؤكد أن تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة بات خيارًا محسومًا أو مطروحًا بجدية. كل ما يُتداول لا يتجاوز حدود التحليل والتكهن وربط السيناريوهات ببعضها البعض، من دون أن يرقى إلى مستوى القرار السياسي الفعلي القابل للتنفيذ. في بلد كلبنان، حيث تتقاطع الاستحقاقات الدستورية مع الحسابات الإقليمية والدولية، يصبح غياب الإشارة الخارجية الواضحة عاملًا حاسمًا بحد ذاته.
الجميع يدرك أن قرار التأجيل، إن حصل، لن يكون قرارًا داخليًا صرفًا. لا يوجد طرف سياسي يملك الجرأة على طرحه علنًا، حتى لو كانت لديه مصلحة مباشرة فيه، لأن كلفة تحمّل هذا الخيار داخليًا ستكون مرتفعة سياسيًا وشعبيًا. تجربة السنوات الماضية أثبتت أن أي مساس بمواعيد الاستحقاقات الدستورية يحتاج إلى غطاء خارجي صريح، أو على الأقل إلى مناخ دولي متسامح يسمح بتمريره من دون ضغوط أو عقوبات أو عزلة.
من هنا، يخضع خيار التأجيل لسلسلة معطيات متشابكة، في مقدمها السؤال الأساسي: هل ستؤدي الانتخابات، في حال جرت في موعدها، إلى تحقيق الأهداف التي يُراد منها؟ وفي طليعة هذه الأهداف، وفق ما يُتداول في أكثر من دائرة، إحداث خسارة حاسمة ل"
الثنائي
الشيعي " أو تعديل جوهري في موازين القوى داخل المجلس النيابي. إذا كانت المعطيات تشير إلى أن النتائج لن تكون مختلفة جذريًا، أو أنها ستعيد إنتاج التوازنات نفسها مع بعض التغييرات الشكلية، فإن الحماسة لإجراء الانتخابات تتراجع تلقائيًا لدى الجهات المؤثرة.
المعيار الثاني يرتبط بالملفات الإقليمية المفتوحة. فحسم هذه الملفات قبل الانتخابات يسهّل كثيرًا حسم توازنات الداخل اللبناني. لا يمكن فصل الاستحقاق النيابي عن مسار المفاوضات الإقليمية، ولا عن شكل التسويات المحتملة أو الصدامات المؤجلة. لذلك، فإن أي تأجيل، إن حصل، سيكون مرتبطًا بتطورات كبرى خارج الحدود أكثر مما هو مرتبط بحجج تقنية أو لوجستية في الداخل.
بناءً على ذلك، يبدو أن مسألة التأجيل لن تُحسم في المدى القريب. المرجّح أن يبقى هذا الخيار معلقًا حتى أسابيع قليلة قبل موعد الانتخابات، ريثما تتضح الصورة الإقليمية وتتبلور الحسابات النهائية. إلى ذلك الحين، سيستمر الخطاب العلني في التمسك بالمواعيد الدستورية، فيما تبقى كل السيناريوهات مفتوحة خلف الكواليس.