لم تكن جلسة مجلس الوزراء الأخيرة مجرد محطة إجرائية لمناقشة "تقرير الجيش الرابع" حول خطة حصر السلاح، في مواجهة الضغوط التي يتعرّض لها لبنان ، خصوصًا من الغرب و إسرائيل ، بل لحظة مفصلية حاولت فيها السلطة إعادة تركيب مشهد الجنوب ضمن سردية واحدة، قوامها أن الدولة تتقدّم، والجيش يثبت حضورًا عملانيًا جنوب الليطاني، تمهيدًا للانتقال إلى الشمال بعد تحضير الأرضية اللازمة لذلك وإعداد الخطط المناسبة.
بهذا المعنى، فإن بيان قيادة الجيش الذي استبق جلسة مجلس الوزراء، ومن ثم البيانات المتتالية التي أصدرها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام ، وتقاطعت بمجملها على الوقوف خلف المؤسسة العسكرية لمنع تسييسها أو عزلها، لا يمكن مقاربتها وكأنّها "منفصلة" عن بعضها، بل هي جاءت مجتمعةً لتخدم هذه السردية الرسمية وتعزّزها عبر وضع الثقل السياسي خلف الجيش.
لكن هذه السردية وُوجهت فورًا بسردية إسرائيلية أعلى سقفًا وأقسى شروطًا، عبّر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين وصف خطوات الحكومة اللبنانية بأنها "غير كافية"، مطالبًا بـ"تفكيك سلاح حزب الله بالكامل"، وفق تفسيره لاتفاق وقف الأعمال العدائية، ليغدو كلامه سقفًا سياسيًا مفتوحًا عنوانه: نزع السلاح بالكامل، أو إبقاء باب الضغط والتصعيد مشرّعًا، في ضوء التلويح الإسرائيلي المستمر بجولة قتالية جديدة.
وما بين الروايتين، تتكشّف معضلة لبنان الحقيقية: فنجاح المرحلة الأولى لا يُقاس فقط بعدد النقاط التي انتشر فيها الجيش، أو بمقدار ما جُمِع من ذخائر، أو ما كُشف من أنفاق، بل بقدرة السلطة على الانتقال إلى المرحلة الثانية من دون تفجير الداخل، خصوصًا أن الانتشار شمال الليطاني يشكّل إعادة تعريف لميزان القوة الداخلي وحدود قرار الحرب والسلم، وبقدرتها في الوقت نفسه على منع إسرائيل من تحويل التشكيك إلى تفويضٍ مفتوح لاستمرار الضربات.
في العمق، كانت الدولة بحاجة إلى "إطار" تُمسك عبره التناقض اللبناني المعروف، ولذلك بدت الخطوة كعملية تثبيت متسلسلة بُنيت على ثلاث طبقات مترابطة. الأولى أمنية، تتمثل في بيان الجيش الذي شدّد على المسؤولية الحصرية في حفظ الأمن والاستقرار، وعلى أن الخطة دخلت "مرحلة متقدمة" بعد تحقيق أهدافها الأولى "بشكل فعّال وملموس"، مع التأكيد أن المرحلة الأولى لا تكتمل ما دامت هناك مواقع تحت الاحتلال يتعذر الوصول إليها.
أما الطبقة الثانية فحكومية، وهنا كان دور جلسة مجلس الوزراء التي تلقّفت بيان قيادة الجيش وحوّلته إلى مسار سياسي رسمي، مع التشديد على مواصلة تنفيذ خطة "سحب السلاح" بالسرعة الممكنة. ولعلّ تحديد موعد لإنجاز خطة المرحلة الثانية لا يُعد تفصيلاً هنا، مثلُه مثل مطالبة قيادة الجيش بتقارير شهرية تشرح التقدم والصعوبات والحاجات، في رسائل إلى الدول القريبة والبعيدة بأن بيروت "جدّية" في مواصلة ما بدأته ولن تتراجع عنه.
تبقى الطبقة الثالثة، التي كانت ضرورية ليكتمل المشهد، وتمثلت في "الغطاء السياسي الأعلى" الذي مُنِح للمؤسسة العسكرية بالإجماع، عبر البيانات التي صدرت عن عون وبري وسلام، لتثبيت أن ما يجري ليس نقاشًا تقنيًا بين حكومة وقيادة عسكرية، بل خيار دولة يجري تظهيره وتحصينه من الانقسام. ولعلّ بيان بري يكتسب أهمية مضاعفة في هذا الصدد، كي لا يتحول الجيش إلى ساحة سجال داخلي أو إلى طرف وحيد يُحمَّل أثقال ملف أكبر من قدرته.
لكن ما يكشف حساسية اللحظة أن إسرائيل لم تنتظر لتفحص التفاصيل، بل دخلت مباشرة إلى النقطة التي تُفجّر أي هندسة لبنانية "مرحلية". فحين يخرج مكتب نتنياهو ليقول إن الاتفاق الذي صاغته الولايات المتحدة ينص "بوضوح" على تفكيك سلاح "حزب الله" بالكامل، فإنه لا يناقش تفاصيل تنفيذ جنوب الليطاني بقدر ما يدفع النقاش إلى مستوى أعلى: إما أن تتحول الخطة إلى مسار شامل على مستوى لبنان كله، وإما أن تبقى، في نظره، خطوة لا تمنع "إعادة التسلح".
هنا تحديدًا يصبح التشكيك أكثر من ردّ فعل أو اعتراض تقني، ويغدو أداة تفاوض وضغط في آن واحد: هو يُسقط قيمة "الإنجاز المرحلي" ويستبدلها بامتحان دائم، ويحوّل التدرّج اللبناني إلى مسار مفتوح على الابتزاز السياسي أو على التصعيد العسكري، بحسب ما تراه إسرائيل مناسبًا. ومن هذه الزاوية، لا تكون المشكلة في أن الدولة قالت إنها حققت تقدمًا جنوب الليطاني، بل في أن هذا التقدم لا يستطيع أن يصبح "منجزًا نهائيًا" إذا بقيت عناصر التفجير قائمة.
وتكمن أهمية الغطاء الممنوح للجيش هنا تحديدًا، لأنه تأكيد على أن الدولة تستطيع أن تصوغ مسارًا تدريجيًا يراعي التعقيدات الداخلية من دون أن يبدو تنازلًا أو تهرّبًا. وهذا الغطاء يوجَّه إلى الداخل بقدر ما يوجَّه إلى الخارج، لأن أي انتقال إلى شمال الليطاني سيفتح الباب أمام أسئلة لا تنتهي: ما المقصود بالسلاح الذي سيُسحب؟ من يحدد التعريف؟ ما آلية الاحتواء؟ وما حدود الاشتباك مع واقع اجتماعي وسياسي معقد؟.
وفي الوقت نفسه، للغطاء وظيفة خارجية، لأن الحكومة تحتاج إلى تقديم نفسها شريكًا موثوقًا، وهي تدرك أن أي نقاش حول شمال الليطاني سيكون مرتبطًا بالدعم الدولي للجيش وبتمويل إعادة الإعمار. فهي تقول إنها تملك خطة ومواعيد وتقارير، وأن الجيش هو من ينفّذ، لكنها تربط ذلك بمطلبين لا مفر منهما: دعم لوجستي ومادي يعادل حجم المهمة، وضغط سياسي على إسرائيل لتتوقف عن تقويض أي تقدم عبر استمرار الاعتداءات والاحتلال.
إلا أن المشكلة هنا أن إسرائيل تسعى إلى قلب المعادلة: بدل أن يكون معيار النجاح لبنانيًا-دوليًا يقوم على "خطوات قابلة للتحقق" ضمن توازنات البلد، تريد إسرائيل فرض معيارها الخاص: تفكيك كامل لسلاح "حزب الله". وهذا المعيار، حتى لو قُدّم كأنه مطلب أمني، يحمل في جوهره وظيفة سياسية: سحب النقاش من مستواه التنفيذي المرحلي إلى مستوى مصيري يتعلق بطبيعة الدولة وتوازناتها الداخلية وعلاقات لبنان الإقليمية.
ويرى البعض أن هذا المعيار يكاد يكون مصممًا ليكون غير قابل للتحقق ضمن حكومة واحدة وفي ظرف زمني قصير، ما يعني أن التشكيك سيبقى جاهزًا للاستخدام في أي وقت: إذا تقدّم لبنان خطوة، قيل إنها غير كافية؛ وإذا تباطأ، قيل إنه يتهرّب؛ وإذا حاول تسريعًا غير محسوب، انفتح الباب على انفجار داخلي. بهذه الطريقة، يصبح التشكيك "حالة دائمة" لا "موقفًا عابرًا"، إن جاز التعبير.
ومن هنا، يصبح اختبار شمال الليطاني اختبارًا لثلاثة حدود في آن واحد: حدّ قدرة الدولة على إدارة توازن داخلي معقد من دون أن يُفككها، حدّ قدرة الجيش على القيام بمهمة تتجاوز طبيعة انتشار روتيني إلى مهمة "سيادة" بمواصفات عالية، وحدّ قدرة الدبلوماسية اللبنانية على ترجمة الالتزامات إلى مكاسب واضحة، مثل وقف الاعتداءات والانسحاب من النقاط المحتلة وإعادة الأسرى، بدل أن تبقى الخطة مجرد ورقة تطلب إسرائيل المزيد بعدها.
وسط هذا كله، يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الدولة أن تحوّل ملف شمال الليطاني إلى "تسوية داخلية قابلة للحياة" بدل أن يكون ساحة اشتباك داخلي؟.
في الواقع، إذا اختارت الحكومة منطق الصدام الداخلي المباشر، فهي تخاطر بتفجير الاستقرار السياسي وربما الأمني. وإذا اختارت منطق التدرّج الشديد من دون مؤشرات ملموسة، فهي تخاطر بأن يبتلعها سقف إسرائيل وأن يُفرغ مسارها من قيمته. وإذا حاولت الجمع بين الاثنين عبر "التمويه"، فهي تخاطر بفقدان الثقة الداخلية والخارجية معًا. ولذلك تبدو مهمة الحكومة أقرب إلى السير على حافة ضيقة: تدرّج محسوب يحقق خطوات قابلة للتثبيت، مع حماية سياسية للجيش، وربط أي خطوة إضافية بشرطين واضحين لا لبس فيهما: تمكين المؤسسة المنفذة، ووقف التقويض الإسرائيلي للمسار.
في المحصلة، بين بيان الجيش الذي يعلن تقدمًا ضمن شروط، وبين قرار حكومي يحدّد موعدًا للمرحلة التالية، وبين دعم رئاسي يحاول تحصين المسار، يقف سقف نتنياهو كحاجز يريد إبقاء الملف مفتوحًا. ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب فعلًا: ليس لأنها شمال الليطاني جغرافيًا، بل لأنها اختبار القدرة على منع التشكيك من التحول إلى قيد دائم، ومنع التدرّج من التحول إلى ضعف، ومنع السيادة من التحول إلى عنوان يُطلقه الجميع... ولا يملك أحد أدوات تحقيقه كاملة.Top of Form
المصدر:
النشرة